من حقوق الصحابة رضي الله عنهم ( خطبة الجمعة )

بسم الله الرحمن الرحيم

من حقوق الصحابة رضي الله عنهم

28/10/1431هـ(غ)

 

عبادَ الله، أجمع المسلمون على أنّ الصحابة رأسُ الأولياء وصفوة الأتقياء، قدوةُ المؤمنين وأسوة المسلمين وخير عبادِ الله بعدَ الأنبياء والمرسلين، جمَعوا بين العلم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجهادِ بين يديه، شرّفهم الله بمشاهدة خاتَم أنبيائه وصُحبته في السّراء والضّرّاء وبذلِهم أنفسَهم وأموالهم في سبيل الله، حتّى صاروا خيرةَ الخِيَرة ، والرجال البررة . هم خيرُ الأمَم سابقِهم ولاحقهم، أولِّهم وآخرهم. هم الذين أقاموا أعمدَة الإسلام وشادوا قصورَ الدّين، قطعوا حبائلَ الشّرك، هم أدقّ النّاس فهمًا، وأغزرُهم علمًا، وأصدقهم إيمانًا، وأحسنهم عملاً. تربّوا على يدَي النبي صلى الله عليه وسلم ونهلوا من ماء معينه الصّافي وشاهدوا التنزيل، ومَن صحبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين ومات على ذلك فهو من أصحابه.

عباد الله : نال الصحابة رضي الله عنهم شرفَ لقاء النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فكان لهم النصيب الأوفى من محبّته وتعظيمه، سُئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف كان حبُّكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كان ـ والله ـ أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمّهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ. وهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه رفعه المشركون على خشبة ليصلبوه، فنادوه يناشدونه: أتحب أن محمدا صلى الله عليه وسلم مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه. وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئِلت أن أصفَه ما أطقتُ، لأنّي لم أكن أملأ عيني منه ، إنهم خير جيل عرفتهم البشرية، إنهم الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، إنهم مصابيح الدجى، وشموس الهدى، كانوا في الحياة أولياء، وبعد الممات أحياء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها. آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم حين كذبه قومه، ودافعوا عنه حين آذاه الناس، وآووه حين طرد من وطنه. قوم اختصهم الله بصحبة خليله وحبيبه، واصطفاهم ربهم بتبليغ رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم ، أخلصوا دينهم لله، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسوّروا العز والشرف وتبوَّؤوا الفخر والسّنا يوم أن زكاهم ربهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كما شهد لهم ربهم بصلاح سرائرهم واستقامة ضمائرهم، فرضي عنهم وأرضاهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا  وفازوا بتوبة الله عليهم لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ

وما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو عنهم راض، فرضي الله عنهم أجمعين. لقد كانوا بحقّ جيلا صالحا لا يتكرر، يقول ابن حزم: "الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا لقوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فثبت أن جميعهم من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار". قال صلى الله عليه وسلم: ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه)) رواه الترمذي، قال الإمام الطحاوي رحمه الله مبينا عقيدة أهل السنة والجماعة: "ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".

عباد الله : ولا تزال الأمة بخير ما عرفت للصحابة حقهم ، والتزمت منهج صحابتها الكرام في الاعتقاد والسلوك والعمل، حقّ على الأمة أن تنشر فضائلهم وتسطر مناقبهم، وأن تربي الأجيال على سيرتهم، وأن تملأ القلوب محبة لهم. ومن حقهم أيضا الدفاع عن أعراضهم وصيانة أقدارهم والتحذير من شر الطاعنين فيهم اللامزين في عدالتهم.

الخطبة الثانية

الحمد لله

إنَّ مِن حقوقِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على أمَّته: التوقيرَ والإجلالَ لمن وقَّرَه وأجلَّه، والمحبةَ لمن أحبَّه، وقد كانت عائشة رضي الله عنها أحبَّ الناسِ إليه صلى الله عليه وسلم كما عند البخاريّ ومسلم عن عمرو بن العاصِ رضي الله عنه أنّه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أحبّ إليك يا رسولَ الله؟ قال: ((عائشة))، قال: فمن الرجال؟ قال: ((أبوها))، عَائِشَةُ بِنتُ أَبي بَكرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَعَن أَبِيهَا وَأَرضَاهُمَا- هِيَ بُشرَى جِبرِيل لِرَسُولِ اللهِ وَرُؤيَاهُ في مَنَامِهِ، وَهِيَ زَوجُهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَلم يَتَزَوَّجْ بِكرًا غَيرَهَا، وَهِيَ فُرقَانٌ بَينَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَفَيصَلٌ بَينَ مُؤمِنٍ وَمُنَافِقٍ ، عَابِدَةٌ زَاهِدَةٌ، خَطِيبَةٌ أَدِيبَةٌ، عَالِمَةٌ فَقِيهَةٌ، مُحَدِّثَةٌ فَصِيحَةٌ، طَاهِرَةٌ مُطَهَّرَةٌ، تَقِيَّةٌ نَقِيَّةٌ. قالت: إِنَّ مِن نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تُوُفِّيَ في بَيتي وَفي يَومِي وَبَينَ سَحرِي وَنَحرِي، وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَينَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِندَ مَوتِهِ.

عباد الله : لقد طمس الله على قلوب الرافضة، فلا يعرفون للصحابة فضلا ولا يذكرون لهم شرفا، وإنما سلوا عليهم سيوف الحقد والعداء والفتك والافتراء، زعمت الرافضة أن الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتدوا إلا نفرا يسيرا منهم، وأنهم ما أظهروا الإسلام إلا نفاقا؛ كتبهم مليئة بمئات الروايات الصريحة في تكفير الصحابة وشتمهم ولعنهم، بل جعلوا من الطعن فيهم ديانة زلفى يتقربون بها إلى ربهم تعالى، وصنفوا المؤلفات في سب خير الصحابة ، فألف أحد علمائهم كتابا أسماه "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت"، وأراد بالجبت أبا بكر والطاغوت عمر، زعم في كتابه هذا أن أبا بكر كان عابدا للأوثان، وكان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم والصنم معلّق في عنقه يسجد له. ويزعم الرافضة اليوم أو بعضهم أنهم لا يسبون الصحابة، ونحن ـ والله ـ نتمنى أن يكونوا صادقين في دعواهم، لكن لسان الحال والواقع يكذب دعواهم، فلا زال الرافضة يحيون المذهب الإمامي وينشرون تراثه، ويطبعون كتبهم  المليئة بالكفر والزندقة، لا زال معاصروهم ينقلون من هذا التراث الأسود، لا زال بعض آياتهم يعلنون السباب واللعن للصحابة. إن كان الرافضة صادقين في دعواهم فليتبرؤوا من علمائهم الذين لعنوا الصحابة وكفروهم. وليتبرؤوا من هذا المنهج ، وليعلنوا صراحة كفر قائله.

 

لا تركنـن إلى الروافـض إنّهـــــــم      شتموا الصحابة دونَما برهان

لعنوا كمـا بَغَضُوا صحـابة أحمد       وودادُهم فرضٌ على الإنسان