قدرة الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قصة موسى ... أحداث وعبر

الجمعة : 5/1/1422هـ (6)

الحمد لله القائل ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ والقائل ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فإن قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل من أكثر قصص القرآن وروداً ، ومن أطولها سرداً ، ومن أكثرها تكراراً . حيث بين لنا تعالى حال مجتمع موسى قبل ولادته حيث اشتدت عداوة فرعون لبني إسرائيل فكان يذبح الذكور منهم ويبقي النساء للخدمة والامتهان ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ والمعاناة العظيمة لأمه وهو طفل رضيع حيث خافت عليه من بطش فرعون ، وكان بيتها على ضفة نهر النيل فألهما الله أن وضعت له تابوتاً إذا خافت أحداً ألقته في اليم ، وربطته بحبل لئلا تجري به المياه ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ وقدر الله أن يفلت الرضيع من أمه وتأخذه المياه إلى قصر فرعون ، ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ وجيء به إلى امرأة فرعون ، فلما رأته ألقى الله محبته في قلبها ، ويشيع الخبر إلى أن يصل إلى فرعون فطلبه ليقتله أسوة بأمثاله من الذكور ، ويسخر الله له من ينقذه ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ ، أما أم موسى فقد فزعت – وحق لها أن تفزع – وأصبح فؤادها فارغاً ، وكاد صبرها أن ينفد ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وكانت امرأة فرعون قد عرضت على موسى المراضع فلم يقبل بثدي أي امرأة ، فعطش وأخذ يتلوى من الجوع ، فأخذوا بالبحث عن مرضعة يقبل لبنها ، وتحين من اخته التفاتة فتعرض خدماتها ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ويبلغ أشده ، ويستوي عوده ، ويؤتى الحكم والعلم ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ وتتتابع الأحداث ويدخل المدينة فيجد رجلين أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون وهما يقتتلان ﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ويفتضح أمره ويطلب للقتل ، ويأتيه النذير ﴿ إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ ويخرج إلى أرض مدين خائفاً يترقب ، داعياً ربه ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ ويصل إلى أرض مدين ، ويسوق القرآن قصته مع المرأتين ومساعدته لهما ، ولقاء أبيهما ، وزواجه من إحداهما .

وينطلق بأهله ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ ويأتي الحدث العظيم ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾ ، ويأتيه الأمر بالدعوة ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ وتأمل رد فرعون وهو يذكره بتربيته له في بيته ﴿ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ وتأمل في مجادلة فرعون في أمر الربوبية ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنْتُم مُّوقِنِينَ ﴾ ويستمر الجدال إلى قوله ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ويستمر فرعون في طغيانه ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا ﴾ ويستعين موسى بما آتاه الله من الآيات لإقناع فرعون وقومه ، ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ فيتهم موسى بالسحر وإرادة إخراجهم من أرضهم ، ويحشر فرعون سحرته ، ويعدهم بالمكافأة العظيمة في حال النصر على موسى ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ ويأتي الوحي إلى موسى ﴿ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ ﴾ وتأتي المفاجأة ويذعن السحرة ، ويغشى الإيمان سويداء القلوب ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ أقول ما تسمعون

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ناصر أوليائه ، ومذل وخاذل أعدائه ، أحمده حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأصلي وأسلم على نبي الهدى والرحمة محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

فلما لم تنفع النصيحة ، ولم تثمر الآيات ، ولم تؤثر المواعظ ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا ﴾

قال تعالى ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ وقال تعالى ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ﴾ ويهم موسى بالخروج من مصر ، وينطلق بمن تبعه سراً ، ويعلم فرعون بذلك فيلحق بموسى وأتباعه مخلفاً وراءه الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ ويستمر موسى بأتباعه سائراً ، ويجد فرعون وجنوده في الطلب فيدركهم على ساحل البحر ، وتأتي المواجهة ، البحر من الأمام وفرعون من الخلف ولا مناص ، وهنا تنعدم موازين البشر ، وتأتي قدرة الله ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ويأتي الإيمان الراسخ في أحلك المواقف ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ويأتي الفرج ﴿ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ 

ويضرب موسى البحر بالعصا ، فيفتح فيه اثنا عشر طريقاً يابسة يعبر من خلالها موسى ومن معه ، فيتبعه فرعون وجنوده فلما تكامل موسى وقومه خارجين ، وتكامل فرعون وقومه داخلين أمر الله البحر أن يعود إلى حاله فانطبق على فرعون وجنوده ﴿ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ أتدرون في أي يوم تم ذلك ؟

إنه في اليوم العاشر من شهر محرم ، إنه يوم عاشوراء ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :« قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماهذا اليوم الذي تصومونه ؟ قالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه ، وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكراً ، فنحن نصومه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ». وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء . وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عاشوراء فقال : « أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله » وفي صحيح مسلم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه ، قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « فإذا كان العام المقبل – إن شاء الله – صمنا اليوم التاسع » فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فينبغي أن نصوم ذلك اليوم ويوماً قبله أو يوماً بعده .