الغيرة على المحارم

بسم الله الرحمن الرحيم

الغيرة على المحارم

 23/12/1422

إن الحمد لله ……

يقول الله عز وجل : ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ لقد استدل العلماء على أن هذه الآية أصل في إثبات الغيرة لله تعالى ، ومن غيرته جل وعلا أن حرم الفواحش .

أيها المسلمون : إن من أعظم النعم على العبد أن يرزق الغيرة ، فأول ما ينبغي على العبد أن يغار على دينة ، وذلك بالتألم والغضب على حق يهان ، أو شريعة تنقض ، أو باطل يحمى ، ولا بد أن ينتج عن هذا التألم والغضب ، مساندة للحق وأهله ، ونصرة للشريعة وعلمائها ، ومقاومة للباطل ودحره . عباد الله : حينما يكون المجتمع صارماً في نظام أخلاقه ، وضوابط سلوكه ، وغيوراً على كرامة فرده وأمته ، مؤثراً رضا ربه على نوازع شهواته حينئذ يستقيم مساره ، في طريق الحق والصلاح ، والرفعة والإصلاح . في ظلال الفضيلة منعة وأمان ، وفي مهاوي الرذيلة ذلة وهوان ، و الحياة الطاهرة تحتاج إلى عزائم الأخيار ، وغيرة الرجال ، أما عيشة الدعارة فطريقها سهل الانحدار ، وبالمكاره حفت الجنة ، وبالشهوات حفت النار .

عباد الله : لقد كان العرب في الجاهلية يعدون المرأة ذروة شرفهم ، وعنوان عرضهم ، ولذلك فقد أبلغوا في حمايتها والمحافظة عليها ، والدفاع عنها زوجة وأماً ، ابنة وأختاً ، قريبة وجارة ، حتى يظل شرفهم سليماً من الدنس ، ويبقى عرضهم بعيداً عن أن يمس . لقد كان الشرفاء الأحرار يعتزون بشرف سمعتهم ، وصيانة أعراضهم ، بأسنة رماحهم ، وحد سيوفهم ، لا ينامون على إهانة ، ولا يصبرون على عار ، ولا يقبلون ذلة ، ولقد قالت هند بن عتبة ( أوه أو تزني الحرة).

إن كل امرئ عاقل ، بل كل شهم فاضل لا يرضى إلا أن يكون عرضه محل الثناء والتمجيد ، ويسعى ثم يسعى ليبقى عرضه حرماً مصوناً ، لا يرتع فيه اللامزون ، ولا يجوس حماه العابثون .

إن كريم العرض ليبذل الغالي والنفيس للدفاع عن شرفه .

أصون عرضي بمالي لا أدنسه *** لا بارك الله بعد العرض بالمال

بل إن صاحب الغيرة ليخاطر بحياته ويبذل مهجته ، ويعرض نفسه لسهام المنايا عندما يرجم بشتيمة تلوث كرامته . أو تمس شرفه ، أو تقدح في عرضه ، وقد بلغ دينكم في ذلك الغاية حين أعلن نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم : « من قتل دون عرضه فهو شهيد » . ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس غيرة على أعراضهم ، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوماً لأصحابه : « إن دخل أحدكم على أهله ووجد ما يريبه أشهد أربعاً ، فقام سعد بن معاذ متأثراً فقال يا رسول الله : أأدخل على أهلي فأجد ما يريبني انتظر حتى أشهد أربعاً ؟ لا والذي بعثك بالحق !! إن رأيت ما يريبني في أهلي لأطيحن بالرأس عن الجسد ولأضربن بالسيف غير مصفح ، وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أتعجبون من غيرة سعد ؟؟ والله لأنا أغير منه ، والله أغيري مني ، ومن أجل ذلك حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن …» الحديث وأصله في الصحيحين .

وذهاب الغيرة عباد الله : ذهاب بالإيمان كله يقول ابن القيم رحمه الله : ( إذا ترحلت الغيرة من القلب ، ترحلت منه المحبة ، بل ترحل منه الدين ، والغيرة أصل الجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ).

الخطبة الثانية:

عباد الله : إن الرجل هو صاحب القوامة في الأسرة ، وإذا ضعف القوام ، فسد الأقوام . قيمة المرء إباؤه وعزيمته ، وميزانه نزاهته وسمعته ، وشرفه في طهارة عرضه ، وبياض صفحته ، ونقاء سريرته .

إن الأسف كل الأسف ، والأسى كل الأسى فيما جلبته مدنية هذا العصر من ذبح صارخ للأعراض ، ووأد كريه للغيرة . انظروا في أحوال التائهين من أهل هذه الحضارة ، والمغرورين بها ، لقد أطلقوا لشهواتهم العنان ، استباحوا كل ممنوع . ونبشوا كل مدفون ، وكشفوا كل مستور . تنصلوا من مسؤوليات العائلة ، وركضوا خلف كل بغي وفاجرة . الحرام عندهم حلالاً . لا يغارون على محارم ، ولا ينتهون عن فواحش . علاقاتهم معزولة عن الخُلق والدين . هل أدى بهم ذلك إلى تهذيب الدوافع كما يقولون ؟ وهل أنقذهم من الكبت كما يزعمون ؟

عباد الله : إن ذهاب الغيرة ناتج عن قلة دين ، وذهاب ورع ، وفساد مروءة . قلة الحياء شعاره ، والخيانة دثاره ، وعدم المراقبة مسلكه ، وضعف الأنفة ديدنه ، و ذهاب الرجولة من القلب بليته . ناهيك بغضب الرب وفساد الأسر، وفضائح زنا ، وقبائح خنا . تذهب اللذات وتبقى الحسرات .

حدث ذلك أيها المسلمون ، يوم أن غفل الرقيب ، وتنصل الرجل من مسؤولياته ، وترك الأمر والنهي للمرأة ، وما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ،

أيها الأخوة : إن طريق السلامة لمن يريد السلامة بعد الإيمان بالله ورحمته وعصمته ، ينبع من البيت والبيئة . فهناك بيئات تنبت الذل ، وأخرى تنبت العز ، وثمة بيوتات تظلها العفة والحشمة ، وأخرى ملؤها الفحشاء والمنكر .

لا تحفظ المروءة ولا يسلم العرض إلا حين يعيش الفتى وتعيش الفتاة في بيت محتشم محفوظ بتعاليم الإسلام وآداب القرآن ، ملتزم بالستر والحياء ، تختفي فيه المثيرات وآلات اللهو المنكر ، يتطهر من الاختلاط المحرم . ويرتقي لمراقبة الله ، والخوف من عقابه ، وتقدير لعواقب الأمور ، وإدراك لمفاسد التهاون ، ومغبة التفريط .

هذا وللحديث تتمة في الخطبة القادمة إن شاء الله ، عن بعض مظاهر ضعف القوامة في المجتمع ، وما آلت إليه من نتائج ، ليكون المسلم على بصيرة من أمره ، عالماً بما يدور حوله .