أنصفوا بلادنا- توجيهات للدعاة

أنصفوا بلادنا- توجيهات للدعاة - الخطبة الأولى

 

فلقد أنهى الحجاج مناسك حجهم قبل أيام تقبل الله منا ومنهم ، وعاد منهم من عاد وتوفي منهم من كتب الله وفاته وسبب لذلك الأسباب، غفر الله للأموات، وكتب الشفاء للمصابين،  ولقد آلم المسلمون المصاب الجلل الذي وقع في منى، جراء تدافع الحجاج، وكثرة الزحام، وهنيئا لمن مات محرما فعند البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْه ولا تُحَنِّطُوهُ ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً» ولقد استغل المتربصون هذا الحدث أشنع استغلال، فأخذوا يشككون في قدرة المسؤولين في هذه البلاد على تنظيم الحج وسلامة الحجاج، وأخذوا ينادون بتدويل الحرمين، والتشكيك في قدرة رجال أمننا على ضبط الأمن والسعي الحثيث لسلامة الحجاج.

فيا أيها الجاحدون لفضائل هذه البلاد على الحجاج، أيها الناكرون للجميل، أيها المتناسون للفضائل، أما ترون توسعات الحرمين، أما تشاهدون نظافتهما والعناية بهما، أغاب عن أعينكم مواقف رجال الأمن في الحج فذاك يغيث ملهوفا، وثان يسقي عطشانا، وهذا يساعد عاجزا، وذاك يطعم جائعا، ويحمل طفلا، ويرش الماء على من أعياه التعب، وينظم سير الحجاج ، ويسلك بهم طريق الرشاد، بوجوه باسمة، وشفاه داعية، لا يرون إلا أنهم يقومون بالواجب، ويفرحون بما أنعم الله عليهم من خدمة حجاج بيت الله الحرام.

عباد الله : أوجب الله علينا طاعته ، ووعدنا بمكافأته ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ» فمَنْ لَمْ يَشْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ إِمَّا بِالْمُقَابَلَةَ بِالْمِثْلِ ،أَوْ أَنْ يَشْكُرَهُ بِلِسَانِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ أَوْ جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ كَامِلَ الشُّكْرِ للهِ على مَا أَعْطَاهُ، فَإِنَّ مِنْ كَمَالِ الشُّكْرِ للهِ الإحْسَانَ إِلى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا.

فيا أيها الشامتون، المتناسون لقدر الله، ويا أيها المتهمون بالعجز، الرامون بالتخلف، تأملوا عندما فر بعض المهجرين من الشام وتوزعوا في أوروبا على سعة مساحتها وهم عشرات آلاف، ماذا كان حال تلك البلاد التي أووا إليها، تعطلت موانؤهم، وانغلقت طرقاتهم ، وضاقت معيشتهم، وأغلقوا حدودهم في وجوه الضعفاء، وبلادنا تستقبل كل عام ما يزيد على مليوني حاج ، في بقعة صغيرة ويتنقلون فيها في وقت واحد، على اختلاف جنسياتهم، وثقافاتهم ولغاتهم، فمن منى إلى عرفات، إلى مزدلفة إلى منى، ثم الحرم، يؤدون نفس الأعمال ، وفي نفس المكان والزمان، كل هذا في خمسة أيام وفي بقعة لا تتجاوز عشرات الكليومترات، والأعداء يكيدون لها، والمؤامرات تحاك لإسقاطها، والاستخبارات تخطط للنيل منها ، يسعون لإشاعة الفوضى بين الحجاج، أفتستغربون ما يحصل من تقصير إن حصل، وتستكثرون من خلل إن حدث.

عباد الله : لئن وقع القدح في خدمات الحجاج ، من الأعداء فهذا أمر متوقع لكن أن يقدح في ذلك من ينتسب لهذه البلاد، ويسارع في الاتهام بالتقصير دون بينة أو برهان، وقبل أن ينتهي ناقل الخبر من قراءته، حتى يسارع في كيل التهم أين التنظيم وأين النجاح؟ هذا ينقد قطار المشاعر، ويزعم كثرة تعطله،  وذاك يرمي بتهمة التدافع على رجال الأمن والتنظيم، ألم يعلموا وهم مدعوا فقه الواقع، أن كلامهم هذا أصبح حجة للباحثين عن أخطاء ليلصقوها في بلادنا، ويسعون من ورائها لرفع اليد السعودية عن الحرمين، وجعلهما تحت إشراف دولي، أما بصره علمه بالخطر العظيم المحدق حول بلادنا فهي تحارب الحوثيين وإيران في الجنوب، وتحارب داعش وأنصارها داخل البلاد، وتحمي حدودها من الشمال، ثم يأتي ويطعن في خاصرة الوطن، ويعطي السلاح للعدو،فقل لي بربك يا فقيه الواقع، ماذا تنتظر إذا كان الصفويون و العثمانيون يشرفون على الحرمين، فماذا تنتظرون غير أن تسمعوا لبيك يا حسين بدلا من لبيك اللهم لبيك، ولن تروا غير القباب والقبور يعيدها بنو عثمان إلى أطهر البقاع، فوعيا يا معاشر الناقمين، وتقديرا يا من تتسمون بالناشطيين الحقوقيين، وإنصافا يا مشاهير القنوات، يا من متابعيكم بالملايين، قدروا أمانة الكلمة، واستشعروا عظم الأمان،أعطوا بلادنا جزءا يسيرا من الثناء الذي تستحقه، أبرزوا جهود ولاة أمرنا وجنودنا الصابرين في المشاعر، والله لو عمل معشار ذلك مرشدكم ومريدوه، أو خليفتكم وعسكره؛ لملأتم الدنيا ضجيجا، والهواء صراخا ، والأفاق تمجيدا، رفقا ببلادكم وولي أمركم، وجنودكم والعاملين معهم، أنصفوهم ، فقد أنصفهم عقلاء الأعداء والعجائز، ولهج بذكر مآثرهم المنصفون، ورأى إنجازهم المتجردون، وعميت عيونكم عن ذلك كله، فقد طمسها غبار الحزبية، وأعشتها قيود التبعية. وتزعمون أن ذلك من النقد وإنكار المنكر، أهكذا علمك رسول الله ، أما تعلمت من الشرع ، المصالح والمفاسد، والمآلات والمقاصد، أنسيت ممن وعلى من ومتى وكيف ينكر المنكر إن وجد؟

أنصفوا بلادنا- توجيهات للدعاة - الخطبة الثانية

الحمد لله:

فلازال الناس في مجتمعنا بحمد الله يوقرون من يظهر عليه أثر الصلاح، ويتلبس بلباس العلم والدعوة، ويقدمونه في المجالس، ويستشيرونه في كثير من الأمور ، ويصدرون عن رأيه في الأحداث، فعلى من نال ثقة الناس؛ أن يتقي الله فيما يأتي ويذر، وليحرص على تعليم الناس الخير، والدعوة إلى الكتاب والسنة، والسير على جادة السلف الصالح، فقد كثر اليوم الخلط والتلبيس على الناس من بعض من كان يرجى فيه الخير، ولتدركوا خطورة تأثير التلبيس بالصلاح إليكم هذا الأمثلة تأملوها، وانظروا في عواقبها

عندما كان العلمانيون والليبراليون، في بعض جرائدنا يحاولون بشتى الوسائل تغريب المجتمع، يسعون لكشف وجه المرأة، ويريدون أن تختلط بالرجال، وتقود السيارة، كان المجتمع كله يرفض ذلك ولا يقره لأنه خرج من أناس ظاهرهم الفسق والفجور، ولم يكن لدعواتهم أي أثر على مدى سنوات متعاقبة.

ولكن عندما ظهر بعض من ينتسب للعلم والدعوة يلقي محاضرات في مجتمع مختلط ونساء كاشفات الوجوه، قبلها كثير من الناس لأن من فعلها يحمل صفة داعية إسلامي، وكان المجتمع يعرف أن الغناء والمعارف حرام، وعندما كان يفعلها الفساق؛ كنا ننكر ذلك، لكن عندما فعلها بعض من ينتسب للعلم والدعوة قبلها الناس باسم أناشيد إسلامية مع اشتمالها اليوم على المعازف لكنهم قبلوها لأنها ممن يظهر عليه صفة الصلاح، وتبث من قنوات تسمى إسلامية، ولو قال شخص؛ الحرية مقدمة على الشرع، وأن للإنسان أن يعترض على الله، وعلى رسوله وعلى شرعه، وأن حد الردة حد سياسي، وليس حدا دينيا، لقامت الدنيا ولم تقعد، لكن عندما يقول ذلك من يسمى مفكر إسلامي، تختفي الأصوات، ويخبو الإنكار.

فهل يدرك الناس اليوم، ويفرقون بين الزبد وبين ما ينفع الناس، هل عرفوا الفرق بين العلماء والمتعالمين، هل عرفتم من الداعي إلى الله على بصيرة، وبين الدعاة للفسق والفتن والفجور، مهما تسموا به من أسماء. هل عرفتم اليوم العلماء الذين يعرفون الفتن إذا أقبلت فيحذرون منها وبين الوالغين فيها الداعين إليها

فاتقوا الله – عباد الله- وقدروا خطورة القلم واللسان، وتذكروا «وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»