حقوق الوالدين

حقوق الوالدين - الخطبة الأولى

 

قال تعالى على لسان عيسى صلى الله عليه وسلم ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ ووصى سبحانه عباده الصالحين بالوالدين،وقرن عبادته بحقهما لعظيم شأنهما فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال ثم من؟ قال: «أمك»، قال ثم من؟ قال: «أمك»، قال ثم من؟ قال: «أبوك». رواه مسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتي رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني جئت أريد الجهاد معك أبتغي وجه الله والدار الآخرة، ولقد أتيت وإن والدي ليبكيان، قال: «فارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما» رواه ابن ماجه وصححه الألباني. ولما قدم أبو موسى الأشعري وأبو عامر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعاه وأسلما، قال عليه الصلاة والسلام: «ما فعلت امرأة منكم تدعى كذا وكذا؟» قالوا: تركناها في أهلها، قال: «فإنه قد غفِر لها» قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «ببرها والدتها» قال: «كانت لها أم عجوز كبيرة، فجاءهم النذير: إن العدوّ يريد أن يغير عليكم، فجعلت تحمل أمها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها، ثم ألزقت بطنها ببعض أمها وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت» أخرجه عبد الرزاق . قال محمد بن المنكدر: "بتّ أغمز رجلَ أمي، وبات أخي عمر ليلته يصلّي، فما تسرّني ليلته بليلي".

عباد الله: من أعظم الحقوق التي انشغل عنها كثير من الناس، حق الأم فهي عطر يفوح شذاه،وعبير يسمو في علاه، ودفء وحنان، وجمال وأمان، ومحبه ومودة، ورحمه وألفه، أعجوبة ومدرسه، الأم .. صفاء القلب، ونقاء السريرة، ووفاء وولاء، وحنان وإحسان، وتسليه وتأسيه، الأم .. أشد الناس بأسا، واسماها نفسا،وأرقها حسا، وأرسخها في المكرمات أقداما، وارفعها في الحادثات أعلاما، الأم .. كوكب مضي ء بذاته، يسمو في صورته وسماته، جدها عبرة، ومزاحها نزهة، نخلة عذبة، وشجرة طيبة،ومخزن الودائع، الأم .. نعم الجليس، وخير الأنيس، ونعم القرين في دار الغربة، ونعم الحنين في ساعة القربة. إنها الأم، يا من تريد النجاة، الزم رجليها، فثمّ الجنة، قال ابن عمر رضي الله عنهما لرجل: (أتخاف النار أن تدخلها، وتحب الجنة أن تدخلها؟) قال: نعم، قال: (برّ أمك، فوالله لئن ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات)

عبدالله: حملتك أمك في أحشائها تسعة أشهر، وهناً على وهن، حمتلك كرهاً، ووضعتك كرهاً، ولا يزيدها نموك إلا ثقلاً وضعفاً، وعند الوضع رأت الموت بعينها، ولما بصرت بك إلى جنبها، سرعان ما نسيت كل آلامها، وعقلت فيك جميع آمالها، رأت فيك بهجة الحياة وزينتها،ثم شلغت بخدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحتها، طعامك درّها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها، تحيطك وترعاك، تجوع لتشبع أنت، وتسهر لتنام أنت، فهي بك رحيم وعليك شفيقة، إذا أصابك مكروه استغثت بعد الله بها، تحسب كل الخير عندها، وتظن أن الشر لا يصل إليك إذا ضمتك إلى صدرها، تخاف عليك رقّة النسيم، وطنين الذباب، وتؤثرك على نفسها بالغذاء والراحَة، فلما تم فصالك في عامين، وبدأت بالمشي، أخذت تحيطك بعنايتها، وتتبعك نظراتها، وتسعى وراءك خوفًا عليك، فلا تنكر إحسانها إليك، لا تناديها باسمها، فإن أحب اسم لها أن تقول لها أماه، لا تجلس قبلها، ولا تمشي أمامها، قابلها بوجه طلق، قبل رأسها، والثم يدها، أجب دعوتها، كن خادمًا لها، أطعها في غير معصية، لا تسبقها بأكل أو شرب، غضّ الطرف عن أخطائها وزلاتها، وأدخل السرور عليها، صاحبها بالمعروف، ولا تتضجر منها ولا تقل لها أف ولا تنهرها، وتذكر أنك ستبلغ الكبر عند أولادك، وسوف تحتاج إلى البر، فإن قمت ببرها، فأبشر بالأجر العظيم والمجازاة بالمثل. فمن بر والديه بره أولاده، ومن عق والديه عقه أولاده، والجزاء من جنس العمل. وكما تدين تدان. ...............

حقوق الوالدين - الخطبة الثانية

 

الحمد لله:

عباد الله: من عق والديه لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرَ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ . وَثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ : الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ، وَالدَّيُّوثُ، وَالرَّجُلَةُ» رواه النسائي وغيره. وفي صحيح الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رضا الرب من رضا الوالد، وسخطه الرب من سخط الوالد».‎

عبدالله: وأبوك وما أبوك: تعب عليك ورباك، وعلمك وأدبك، كم حزن لتفرح، كم جاع لتشبع، وبكى لتضحك، وسهر لتنام، وتحمّل الصعاب، وقاسى المشاق، إذا فرحت فرح، وإن حزنتَ حزن، إذا دَاهمك الهمّ، فحياته في غمّ، إن أصابك مرض غدى إلى المستشفيات وراح،إن حل بك مكروه ناح، وإن أخطأك قال يا بني لا جناح، يدمح زلتك، ويغض الطرف عن هفوتك، أمله أن تحيا سعيدًا، يعطي ولا يطلب أجرًا، ويبذل ولا يأمل شكرًا. فلما احتاج إلى برك ناداك: يا بني: أحدودب ظهري، وارتعشت أطرافي، وتقاربت خطواتي،وثقل سمعي،ورق عظمي، وأنهكتني الأمراض، وزارتني الأسقام، لا أقوم إلا بصعوبة، ولا أجلس إلا بمشقة، ولا يزال قلبي ينبض بمحبتك، لو أكرمك شخص يومًا لأثنيت عليه طول دهرك، وقد أفنيت حياتي لإسعادك،فأين الجزاء والوفاء؟! أجزائي دار الرعاية؟ أمكافأتي تفضيل الزوجة والأولاد؟ أحقي الصدود والهجران؟ ورفع الصوت والعصيان؟ بل ورفع اليد في بعض الأحيان؟ أف لك ما أقسى قلبك؟ لا ترى لي معروفا، ولا ترفع بي رأسا، ولا تقيم لي وزنا، تعرض عن مجالستي، وتتضجر من مؤانستي، وأنت تعلم أنك عندي بالدنيا وما فيها،أي ذنب جنيته حتى أصبحت عدوا لك لا تطيق رؤيتي وتتثاقل عن زيارتي؟!

ما كان ذنبهما إليك‎ ‎فطالما *** مَنَحاكَ نفْسَ الوِدّ من نفْسَيْهِما‎

‎كانا إذا سمِعا أنينَك‎ ‎أسبلا *** دمعيهما أســفًا على خدّيهما

كـانا اذا ما ابصرا بك علة *** جزعا لما تشكو وشق عليهما

وتمنيّا لو صادفا بك راحــةً *** بجميعِ‎ ‎ما يَحويهِ مُلكُ يديهما‎

فنسيْتَ حقّهما عشيّةَ أُسكِنا *** تحت الثرى‎ ‎وسكنتَ في ‏داريهما

بشراك لو قدمت فعلا صالحا *** وقضيت بعض الحق من حقيهما

وبذلت من صدقات مالك مثل ما *** بذلا هما أيضا على أبويهما

زُر‎ ‎والِديكَ وقِف على قبريهما *** فكأنني بك قد نُقلتَ إليهما‎

لو كنتَ حيث‎ ‎هما وكانا بالبقا *** زاراكَ حبْوًا لا على ‏قدميهما‎

فاحفظ حفظت وصيتي واعمل بها *** فعسى تنال الفوز من بريهما