عيد الفطر 1436هـ_العبادة في الهرج

عيد الفطر 1436هـ_العبادة في الهرج - الخطبة الأولى

 

قد أمر الله عباده، أن يستقيموا على شرعه القويم، ويلتزموا صراطه المستقيم؛ فقال جل وعلا ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

ولقد أخبر عليه الصلاة والسلام، بما يكون إلى قيام الساعة، من تفرّق واختلاف، ونزاع وشقاق، ينشأ عنه فتنٌ عظمى، ومحنٌ كبرى، تشتدّ ضراوتها، ويستشري ضررها، ويتفاقم خطرها، وتلتبس كثير من الحقائق، وتختلط كثير من المفاهيم، وتختلّ الموازين، ويهلك بسببها خلق كثير، يقول عليٌّ رضي الله عنه (تبدأ الفتن في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضلّ رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف لها قَصَمَته، ومن سعى فيها حطمته، تغِيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظَّلَمة، تهرب منها الأكياس، وَيُدَبِّرُهَا الأرْجَاسُ ، مِرْعادٌ مِبْراق، كاشفة عن ساق، تُقْطَعُ فِيهَا الأرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الإسْلاَمُ،فلا تكونوا أنصاب الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عُقد عليه حبلُ الجماعة، وبُنيت عليه أركانُ الطاعة، وأقدموا على الله مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين) اهـ.

عباد الله: ونحن اليوم في زمنِ التقدمِ والحضارة المزعوم، وزمنِ العدلِ والمساواة المدعى، وزمنِ الحقوقِ والحريات التي ظهر عوارها،وانكشف زيفها،فارتفعت أعلام الشرك والبدع، وسالت الدماءُ البريئة ، وأزهقت النفوسُ المعصومة، وظهر المطالبون بحقوق المجرمين،والشواذ والمثليين، والخوارج المارقين، فإلى الله المشتكى من أهل زمان انقلبت عندهم المفاهيم، وراجت عليهم دعوات المضللين،حتى رأينا من يهون من شأن التوحيد، وينشر الشرك والبدع، ويشيد المزارت والقبور، بل ويسمى خليفة المسلمين، ورأينا من يحلل ماحرم الله، أو يحرم ما أحل الله، وعاصرنا من يقتل المسلمين باسم الجهاد، أي فتنة حلت بمن يلف الحزام الناسف على نفسه ليفجر جموع المسلمين ، أي انحطاط وصل إليه من استرخص دم أبيه،أي فتنة نزلت بشاب ابتلي بالانضمام لأحزاب ضالة رسخت عنده تكفيرَ الدول والمجتمعات، بغير علم راسخ وبرهان.

عباد الله: وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة ، ماج كثير من الناس، وخاض في الفتن أقوام؛ ظنا منه أنهم مطفؤها، وأنه العالمون بأسرارها، والخبراء بدهاليز السياسة، والمستشرفون للمستقبل، العالمون بخطط الأعداء، المتبحرون في دروب الاستخبارات، فلما انكشفت وبان عوارها، ظهر أنهم موقدوها، وأنهم أغرار جهال مازادهم العلم بها إلا جهلا بمآلاتها، وأنهم إنما كانوا يؤدون دورا رسمه لهم الأعداء، وفخا أوقعهم فيه الخصوم.

عباد الله : لقد هدانا الله بفضله إلى دين كامل، ووحي رباني،ونور سماوي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أخبرنا بفتن آخر الزمان ، وبين لنا المخرجَ منها، وحذرنا من مخالفة أمره ، والخروجِ عن هديه، فقال جل وعلا ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

عباد الله: إذا ادلهمت الخطوب ، واشتدت الكروب ، وكثر القتل ، وعظمت الفتن ، فافزِعوا إلى ما أرشدكم إليه رسولكم عليه الصلاة والسلام حين قال «العبادةُ في الهرج كهجرةٍ إليّ» أتدرون ما الهرج ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «يتقاربُ الزمان ، ويقبضُ العلم ، وتظهرُ الفتن ، ويلقى الشح ، ويكثرُ الهرج ، قالوا: ما الهرج يا رسول الله؟ قال: الهرج القتل»

العبادة – عباد الله - حِصن الله الأعظم ، من دخله كان من الآمنين ، ووقاه الله شر ما يخاف ، ألا وإن رأس العبادة ولبها التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، والبراءة من الشرك وأهله، وتحقيق الشهادتين هو الواقي من الفتن ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ وأرشد الله إلى أمرين عظيمين ، يستعان بهما في السراء والضراء ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ فأمر بالصلاة لمدافعة الفتن.

عباد الله : أرأيتم إذا غارت الآبار ، وقلت الأمطار ، وذبلت الأزهار ، فإلى أين تفزعون ؟ أليس إلى الصلاة . أريتم إذا كسفت الشمس ، وخسف القمر ، وعظم الخطب ، وحل الخوف ، فإلى أين تفرون ؟ أليس إلى الصلاة . ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

ففروا من الفتن؛ واسلكوا سبيل النجاة، فعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : قُلْتُ : يَارَسُولَ اللهِ ، مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ: «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ»

عيد الفطر 1436هـ_العبادة في الهرج - الخطبة الثانية

 

ذا استحكمت الأزمات، وتوالت النكبات، وكثرت العوائق، وترادفت الضوائق، فلقد جعل الله سبحانه وتعالى الصبر جندا لا يهزم، وحِصناً لا يهدم ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ وتأملوا قوله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر ! أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع ؟ تعفف ; يا أبا ذر ؟ أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد - يعني القبر - كيف تصنع ؟ اصبر ; يا أبا ذر : أرأيت إن قتل الناسُ بعضُهم بعضا حتى تغرق حجارةُ الزيتِ من الدماء كيف تصنع ؟ اقعد في بيتك و أغلق عليك بابك قال : فإن لم أُترك ؟ قال : فأت من كنت معه فكن فيهم، قال : فآخذ سلاحي ؟ قال : إذن تشاركهم فيما هم فيه و لكن إن خشيت أن يردعك شعاعُ السيف فألق من طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه و إثمك و يكون من أصحاب النار».

أمة الله: خلقت لطاعة الله، فعليك الرضى بما شرع، ولزومِ مافرض، وإياك واتباع أهلِ الشبهات والشهوات، الذين أدركوا عظيم رسالتك، ونبل دورك، فأجلبوا بخيلهم ورجلهم يسعون في إضلالِك، ويزهدونك في دينك،تمسكي بعقيدة السلف الصالح، وربي أبناءك عليها، الزمي حجابك وحياءك وإياك والاختلاط تحت أي حجة.

عباد الله: المفر من الفتن إلى العبادة ، هذا هدي نبيكم ، وسبيل سلفكم . فماذا غيَّرتْ فيكم هذه الأحداث ؟ هل أحدثْتم بعد المعصية توبة ؟ وهل قررتم بعد التفريط أوبه ؟ هل بكرتم إلى الصلاة وقد كنتم عنها متقاعسين ؟ هل ازداد تقواكم ؟ هل عظم بالله رجاكم ؟ لئن كنتم كذلك فأبشروا بالنصر والتمكين  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.