خطبة عيد الفطر 1435 (الوسطية والاعتدال)

خطبة عيد الفطر 1435 (الوسطية والاعتدال) - الخطبة الأولى

 

فأوصيكم ونفسِي بتقوى الله عزّ وجلّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مستسلمون لله في أمرِه ونهيه، راضون بشرعِه وحُكمه، فلقد خلق الله الخلق ليعبدوه، وأورَثهم الأرضَ ليوحِّدوه، وأرسلَ إليهم رسُلاً ليطيعوه.

عباد الله: من سلك سبيل محمدٍ وأصحابِه، فاعتقد عقيدتهم كما ثبت عنهم؛فلم يزد عليها ولم ينقص منها، وعبد الله كما عبدوه، فلم يخترع لنفسه عبادات لم يتعبدوا بها، وتخلق بأخلاقهم، وفهم مراد الله ومراد رسوله كما فهموا؛فهو من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. ومن انحرف عن شيء من ذلك في عقيدة أو عبادة أو منهج؛فقد زاغ عن الصراط بمقدار انحرافه، وصار إما إلى أهل الغلو، وإما إلى أهل الجفاء. قال الحسن البصري -رحمه الله: "السنة والذي لا إله إلا هو؛ بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا"

عباد الله: جعل الله هذه الأمّة وسطًا عدولاً خِيارا، كما قال الله عز وجل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ثابتون على الطريق المستقيم، الهادي لجنة النعيم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ يقول ابنُ القيم رحمه الله: "فما أمرَ الله بأمرٍ إلاَّ وللشّيطان فيه نزغتان؛ إمّا إلى تفريط وإضاعة، وإمّا إلى إفراطٍ وغلوّ، ودينُ الله وسَطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبَلين، والهدَى بين ضلالتين، والوسطِ بين طرفين ذميمين" فالوسطية حق بين باطلين. وليست وسط بين الحق والباطل.

عباد الله: تتجلّى وسطية الإسلام في جميع تشريعاته، ففي باب الاعتقاد جاء الإسلام وسطاً بين الملل، فلا إلحاد ولا وثنية، بل عبودية خالصة لله في الربوبية والألوهية، وفي الأسماء والصفات، وسط بين أهل التشبيه والتمثيل، والتحريف والتعطيل. وفي باب العبادة، وسط بين من ينقطع للعبادة وينسى دنياه، وبين من شغلته دنياه فانصرف لها بالكلية وترك العبادة، فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» وأهل السنة وسط في مسألة التكفير، بين غلاة وجفاة، طرفٌ يكفِّر المسلمين، ويستحل دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وطرفٌ آخر يريد من المسلمين أن يكفُروا، أهل السنة وسط بين الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة، والمرجئة الذين لا يرون أن الأعمال شرط في صحة الإيمان، فشابههم الليبراليون الذين يريدون أن يخرجوا الناس من دينهم، فاعمل ما شئت، ومارس من المعاصي ما اشتهيت، ولا يضرك شيء مادمت تقول لا إله إلا الله، كل همهم نزع حجاب المرأة عن وجهها، وتغطية مصحفها، فلا تبصر حقا، أما أهل السنة فيقولون الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويرون أن التكفير حكم شرعي ثابت في كتابِ الله، وسنةِ رسوله، فمن أتى بمكفر قولٍ أو عملٍ، وتوفرت فيه شروطه، وانتفت عنه موانعه، حكم بكفره، وليس ذلك إلا للراسخين في العلم.

عباد الله: أهل السنة وسط في التعامل مع الحكام، بين قوم غلوا في نقد الحكام، يذكرون معائبهم في المجالس والمنابر، ويؤلبون عليهم العامة، فشابهوا فعل الخوارج، الذين آل بهم الأمر لقتل عثمان، وهؤلاء يحشدون الناس في الميادين، ويرددون ارحل والشعب يريد، حتى آل بهم الأمر إلى ما ترون، تبخرت أحلام الحكم والرئاسة، وضاعت أماني العدل والمساواة، واندثرت آمال الحرية، فصار أقصى أماني أحدهم، فراشا آمنا يأوي إليه، وكسرة خبز يسد بها رمقه، وجرعة ماء يذهب بها عطشه، ومنزلا مهترئا يحفظ فيه عرضه، وطرف على النقيض، يجعلون أخطاء الحكام محاسن، ويعطلون شعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأهل الحق وسط بين الغالي والجافي، يرون السمع والطاعة للإمام في المعروف، في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وفيما أحبوه وكرهوه، فإن رأوا من ولي الأمر مخالفة، سارعوا لنصحه مشافهة إن تمكنوا، أو مراسلة إن استطاعوا، أو تواصلا مع البطانة إن قدروا، فإن تعسر كل ذلك، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واجتهدوا في الدعاء للولاة لا عليهم، ويصبرون وإن رأوهم قد استأثروا بالأموال والمناصب، ففي البخاري «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» فيا أيها الموحد إن كنت تريد أن تلقى محمدا صلى الله عليه وسلم، فاصبر على جور السلطان حتى تلقى محمدا على الحوض، ويا من ضربتم بالأدلة الواضحات عرض الحائط، هل أنتم أغير من الله على دينه، أم أنتم أعلم من الله بما يصلح عباده ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.

خطبة عيد الفطر 1435 (الوسطية والاعتدال) - الخطبة الثانية

 

الحمد لله:

فأهل الحق وسط في باب الجهاد، يرون أنه ماضٍ إلى قيام الساعة، خلف كل إمام من المسلمين، بشروطه المعتبرة عند أهل العلم، فتوسطوا بين قوم أطلقوا العنان في هذا الباب، حتى اعتبروا قتل المسلمين من الجهاد، وآخرون عطلوه بالكلية، وأهل الحق وسط في باب الإنفاق، بين المسرفين والمقترين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ وهكذا في مجال الحرية الفكرية، جعل الإسلام ضوابط شرعية، وقرر حد الردة، فليست الحرية مطلقة بحيث يحق للفرد الاعتراض على كل أحد، أو اعتناق أي دين، وليست مكبلة للفكر، قاتلة للإبداع.

عباد الله: وأهل السنة وسط فيما يتعلق بالمرأة، بين علمانية وليبرالية تريد المرأة أن تكون أجيرة، والغة في مستنقعات الرذيلة، لاهثة خلف لقمة عيشها ولو ببيع شرفها، ولو بخلوتها مع الرجال، المهم أن تتخلص من ولاية الرجل وقوامته، وأن تساويه في الحقوق، وقوم جفاة، لا تعد المرأة ألا من سقط المتاع، فليست ألا دمية لتفريغ الرغبة الغريزية، فلا مكانة لها ولا ميراث، ولا رأي ولا تملك، فتوسطت الشريعة بين الغلو والجفاء، فكفلت للمرأة حريتها الشرعية، ونأت بها عن مسالك التحرر من القيم، والهبوط إلى براثن الإباحية والانحلال، والانسلاخ من الفضائل، وسلوك مسالك التبرج والسفور والخلوة المحرمة، أعطتها حق الملكية، وحق العمل، وحق الميراث، وجعلتها معززة مكرمة في بيتها، يقوم الوالد بحقوقها مادامت تحت ولايته، ثم الزوج فالأولاد، في تناسق إلهي عجيب شهد به المنصفون من الأعداء. كذلك فلتكوني يا أمة الله، معتزة بدينك وإن قالوا رجعية، متمسكة بعقيدتك وإن قالوا معقدة، تخوضين غمار الحياة بثبات، لا تميلين مع مغريات الدنيا، مادامت تخالف دينك، ولا تهز ثقتك في مبادئك مواقعُ تواصل، أو تغريدات متعالم، أو اجتهادات متساهل.