حب الوطن

حب الوطن - الخطبة الأولى

 

فحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، وطن المرء، هي أرضه التي بها وُلد، وعليها تربى، وعلى تربتها درج، وبخيراتها نعِم، وفي محاضنها نشأ. مهد صباه، ومدرج خطاه، ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوى أبنائه وأحفاده. يحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا اعتدي عليه، ويَغضب له إذا انتقص. وحب الوطن مطلب شرعي دل عليه الكتاب والسنة قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ فشبّه سبحانه وتعالى إخراج العبد من وطنه, بإخراج روحه من جسده, فأتى الله بأصعب أمرين: إخراج الروح من الجسد، وإخراج الجسد من الوطن، وقال سبحانه وتعالى ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ فجعلوا القتال ثأراً للجلاء.

وتأملوا حب النبي صلى الله عليه وسلم للوطن فعند البخاري من حديث أَنَسٍ قال : «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا» أي من حب المدينة، قال ابن حجر: "فيه دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه". وأخرج الترمذي في جامعه وصححه الألباني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: «ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ» وفي البخاري: لما أخبر ورقة بن نوفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قومه مخرجوه من مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوَمخرجِيَّ هم؟!» قال السهيلي "يؤخذ منه شدّة مفارقة الوطن على النفس؛ فإنّه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحرّكت نفسه لحبّ الوطن وإلفه، فقال: «أوَمخرجِيَّ هم» ولقد أحبَّ الصحابةُ ديارَهم، فمن فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم في سبيل الله، فللمهاجرين على الأنصار أفضلية ترك الوطن، وقد مدحهم الله سبحانه على ذلك فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ وجعل الشرع النفيَ والتغريبَ عن الوطن عقوبةً لمن عصى، وأتى من الفواحش ما يَستحق به أن يُعذَّب ويُغرَّب.

عباد الله : حب الأوطان الصادق لا يكون إلا بالسعي فيما يُصلحها، ولا صلاح لها إلا في دين الله تبارك وتعالى، ولا قَوام لها إلا بشرعه، فحب الوطن يكون بمجانبة الذنوب والمعاصي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وحب الوطن يكون بالبعد عن البطر وكفران النعم، قال الله تبارك وتعالى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ حب الوطن يكون بلزوم الجماعة والسمع والطاعة ؛ إذ إنَّ مصالح الأمة لا تتم إلا بجماعة، والجماعة لا تتم إلا بإمارة، والإمارة لا تقوم إلا على وطن. وحبُّ الوطن يكون بالدعاء له، فلقد دعا رسول صلى الله عليه وسلم للمدينة، كما في الصحيحين «اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلتَ بمكة من البركة» حب الوطن: عقيدة صحيحة، وبيعة في العنق، وأداء للحق، وولاء وطاعة، وعدمُ خروجٍ على الجماعة. وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

عباد الله : يجلى حب الوطن في احترام أنظمته التي لا تخالف الشرع، وفي السعي لكل ما يؤدي إلى وحدته وقوته، حب الوطن يظهر في المحافظة على منشآته ومنجزاته، وفي الاهتمام بنظافته وجماله، حب الوطن يظهر في إخلاص العامل في مصنعه، والموظف في إدارته، والمعلم في مدرسته، حب الوطن يظهر في إخلاص أصحاب المناصب والمسؤولين فيما تحت أيديهم من مسؤوليات وأمانات، حب الوطن يظهر في المحافظة على أمنه واستقراره والدفاع عنه

عباد الله : وحب الوطن في الإسلام: لا يعني الانفصال عن جسد الأمة فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَثَلُ المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفهم مثلُ الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائر الجسد بالسهر والحمى»؛ متفق عليه. فننصر المظلوم، ونغيث الملهوف، ونعين على نوائب الدهر.

حب الوطن - الخطبة الثانية

 

الحمد لله

فإذا كان حب الوطن قائمًا في نفوس البشر كلٌّ لوطنه فكيف الأمر في هذا الوطن المبارك ؛ بلدِ التوحيد والعقيدةِ، ومَهدِ السنة والرِّسالة، ومهبط الوحي ومأرِز الإيمان، وأرضِ الحرمين، وقِبلة جميع المسلمين ؟! كيف بوطن رباك منذ نعومة أظفارك، على توحيد الله، وإفراده بالعبادة، فلا تجد بحمد الله في هذه البلاد وثنا من دون الله يعبد، ولا ضريحا يطاف حوله ويمجد، ولا تسمع أحدا فيه يحلف بغير الله، ولا يدعو غير الله، المساجد بالمصلين عامرة، والمآذن بذكر الله صادحة، وفي رمضان تعيش في هذه البلاد أجواء الأمن والإيمان، وتستلذ بتلاوة القرآن، وركن الحج قائم، قد هيئت للحجاج سبل أدائه، وسهلت لهم طرق نسكه، التوسعات في الحرمين على قدم وساق، وفي منى والمشاعر، والمفتون يعلمون الناس ما أشكل عليهم، ويفتحون للناس ما أغلق عليهم، وكتاب الله محفوظ، وطباعته بأعلى جودة موجود، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بواجبها قائمة، ومكاتب الدعوة بدعوة غير المسلمين عاملة، وأنت في هذه البلاد تغدوا لعملك كل صباح وتروح، ترفرف أجواء الأمن والأمان على أولادك، أليس هذا بلد جدير بأن يحب، وأن يدافع عنه، وأن تقدم الأرواح دفعا لكل صائل، ونكاية بكل خارجي، حماية لجناب التوحيد، وحفاظا على بلد الشريعة. قال الشيخ عبدالعزيز بن باز: وهذه الدولة السعودية دولة مباركة نصر الله بها الحق، ونصر بها الدين، وجمع بها الكلمة، وقضى بها على أسباب الفساد وأمن الله بها البلاد، وحصل بها من النعم العظيمة ما لا يحصيه إلا الله، وليست معصومة، وليست كاملة، كل فيه نقص فالواجب التعاون معها على إكمال النقص، وعلى إزالته، وعلى سد الخلل بالتناصح والتواصي بالحق والمكاتبة الصالحة، والزيارة الصالحة، لا بنشر الشر والكذب، ولا بنقل ما يقال من الباطل. وقال الشيخ حماد الأنصاري : من أواخر الدولة العباسية إلى زمن قريب والدول الإسلامية على العقيدة الأشعرية أو عقيدة المعتزلة، ولهذا نعتقد أن هذه الدولة السعودية نشرت العقيدة السلفية عقيدة السلف الصالح بعد مدة من الانقطاع والبعد عنها إلا عند ثلة من الناس.

عباد الله: ابتلينا اليوم بأناس من بني جلدتنا، يرون محاسن بلادنا مساوئ، ومساوئ غيرنا فضائل، سلموا أنفسهم لجنود إبليس، تراهم يدافعون عن بلاد تبني الكنائس، وتكيد لنا الدسائس، وتستقبل على أراضيها اليهود، وتؤوي كل محدث، وتنصر الخوارج، وتحمي المبتدعة، وأقوام أغرتهم بلاد العهر والمجنون، وشواطئ العراة، وناشري الشرك، وإخوان الرافضة، فأصبحوا يظهرونها النموذج الأكمل لما يجب أن نكون عليه. بل ويسعون لتنصيب رأسها حاكما للمسلمين، وأناس خطفت أنظارهم أضواء المدنية الغربية الزائفة، فتنكروا لفضل هذه البلاد، وأخذوا يتنقصون دينها، ويتندرون على حجاب نسائها، ويتهمونها بالتخلف والرجعية.

نصرك الله يا بلاد التوحيد، فكم لك من الفضل على سائر العباد، تعلمين وينسب الفضل لغيرك، تحمين ويصرف الولاء لأعدائك، تصلين ويقطعون، تبرين ويعقون، تنصحين ويعيرون، تسترين ويفضحون.

إذا أكلوا لحمي وفـرتُ لحومهـم *** وإن هدمـوا مجدي بنيتُ لهم مجداً

وإن ضيعوا غيبي حفظتُ غيوبهم *** وإن هُمْ هَووا غيِّي هويتُ لهم رشداً

ولكن ابشري يا بلاد التوحيد فما دمت بأمر الله قائمة فلن يضرك كيد كائد، ولا مؤامرات حاسد، ولا نكران جاحد، ولا غطرسة معاند ﴿إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾.