من علامات الخوارج (1)

من علامات الخوارج (1) - الخطبة الأولى

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهَرْج»، قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل القتل»؛ متفق عليه. وما نراه اليوم ونسمعه شاهد على صدقه عليه الصلاة والسلام فلقد اشتد القتل في هذا الزمان، ولم يقتصر الأمر على قتل الكفار للمسلمين، فلقد حمى الكفار جنودهم، وأغمدوا سيوفهم، وحركوا عملاءهم، وأججوا إعلامهم، وامتطوا ظهور قوم يظهرون الإسلام، واستخدموهم أدوات قتل وتدمير في مجتمعاتهم، ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طائفة، ووردت فيهم من الأحاديث مالم ترد في فرقة غيرهم، وصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» أولئك هم الخوارج الذين استحلوا دماء المسلمين وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ وعند الترمذي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار».

عباد الله إليكم شيئا من أوصاف الخوارج، فما أحوجنا اليوم لمعرفتهم، فلقد ذاق المسلمون من الويلات على أيديهم ما يدعوا لكشفهم والتحذير منهم، فلقد كان مبدأ خروجهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد شككوا في عدله، ثم استفحل شرهم في عهد عثمان ذي النورين، وشككوا في أمانته وعدله، بل واقتحموا عليه الدار، وقتلوه ومثّلوا به، واستباحوا حرمة دمه وماله، ثم جردوا السلاح على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفروا علياً رضي الله عنه.

عباد الله: روى الآجري عن جابر رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من حنين، وفي ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي، فقال: يا محمد، اعدل. فقال صلوات الله وسلامه عليه: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل». فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

ومما قال فيهم صلى الله عليه وسلم «كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار» وقال «شرُّ قتلى تحت أديم السماء» وقال «لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد» وقال «طوبى لمن قتلهم أو قتلوه» وقال «يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء» وقال «هم شر الخلق والخليقة» وقال «يخرج آخرهم مع الدجال» كل هذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الخوارج.

عباد الله: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج ونهى عن قتل الولاة الظلمة، قال الإمام احمد صح الحديث في قتال الخوارج من عشرة أوجه قال شيخ الإسلام أخرجها الإمام مسلم. وقال لم يرد في فرقة من الأحاديث مثل ما ورد في الخوارج. ومن صفاتهم تحسين القول وإساءة العمل روى الآجري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ثم قال الآجري في التحذير من اجتهادهم وعلومهم: فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام، عادلاً كان الإمام أم جائراً، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه، واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج. وقد روي أنهم لا يزالون يخرجون في كل زمان فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، من لقيهم فليقتلهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة» اللهم. ...............

من علامات الخوارج (1) - الخطبة الثانية

 

الحمد لله

لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء عصاة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإن صلوا وصاموا، واجتهدوا في العبادة، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين، وقد حذرنا الله تعالى منهم، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم، وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده، وحذرناهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج يتوارثون هذا المذهب قديما وحديثا، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين.

عباد الله: احذروا تحسين مذهبهم أو الدفاع عن باطلهم، بدعوى تلبسهم بالإسلام، وإظهارهم عداء الكفار، فالفاصل بيننا وبينهم كتاب الله، وسنة مصطفاه بفهم سلف الأمة، واحذروا ممن يدعون إلى سلوك سبيلهم، والتهوين من شرهم فقد قال ابن حجر رحمه الله: "القعدية: الذين يزينون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك". وقال الحسن البصري رحمه الله عند ذكر الخوارج: "حيارى سكارى، ليسوا يهوداً ولا نصارى، ولا مجوساً فيعذرون". قال هلال بن أبي حُميد رحمه الله: "سمعت عبدالله بن عُكيم يقول: لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان، فيُقال له: يا أبا معبد، أوَ أعنت على دمه ؟ فيقول: إني أعُد ذكرَ مساويه عوناً على دمه". قال أبو قلابة رحمه الله: "ما ابتدع رجل بدعة إلاّ استحلّ السيف". كان أيوب السختياني رحمه الله يسمي أصحاب البدع خوارج، و يقول: "إنَّ الخوارج اختلفوا في الاسم،واجتمعوا على السيف". وقال أبو أمامة رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ قال: "الخوارج وأهل البدع". قال الشيخ عبدالعزيز بن باز عن الخوارج: والجمهور على أنهم عصاة مبتدعة ضالون، ولكن لا يكفرونهم، والصواب أنهم كفار بهذا، لقوله صلى الله عليه وسلم «يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه» وهذا دليل على أنهم كفار، «ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» عاد كفار، والصحيح والظاهر من الأدلة أنهم بهذا التنطع وبتكفيرهم المسلمين، وتخليدهم في النار أنهم كفارٌ بهذا.

عبادَ الله، آنَ للأمّة أن تفقهَ حاضرَها وماضيَها، وآن أن تعرف عدوها، وآن أن توقن بأن الأحزابِ المتعدِّدة، والجماعات المبتدعة، شر على الإسلام والمسلمين، وأنّ السعيَ وراءَ الشعارات الزائفةِ، والرّايات العمية، كلُّ ذلك ما قاد الأمّة إلاّ إلى هاويةٍ سحيقة، وهزائمَ منكرة، وما جرّ لها إلاّ خزيًا وعارًا، وذلاًّ وهوانًا، فلا هي ـ والله ـ بنَت مجدًا، ولا حقَّقت عِزًّا، ولا أسعَدت أحدًا.

ألاَ وقد حان الوقتُ أن يُسلمَ القياد للقرآن الكريم، والسنّة النبويّة، على الفهمِ الصحيح، الذي سار عليه الصّحابة والتابعون، وسعدت به البشريّة جمعاء، وأنارت به الأرض كلّها عدلاً ورحمةً، إصلاحًا وحِكمة، نجاةً وفلاحًا، نورًا ونجَاحًا.