الذين قال لهم الناس

الذين قال لهم الناس - الخطبة الأولى

 

يقول تعالى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ويقول جل وعلا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقّ ٱلْمُبِينِ﴾ وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون». وعند الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً».

عباد الله : التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة. فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ واعلم هداني الله وإياك للصواب أن التوكل من أعمال القلوب ، قال الإمام أحمد رحمه الله: التوكل:عمل القلب. قال بعض أهل العلم التوكل: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد. وقيل: هو انطراح القلب بين يدي الرب،وقيل الرضا بما يقضيه الله للعبد

ومن درجات التوكل: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل. فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده. فكيف يكون متوكلاً من يعتقد أن غير الله ينفع ويضر من دون الله. والتفويض روح التوكل، ولبه وحقيقته، وهو جعل أمورك كلها إلى الله، وإنزالها به، طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطراراً ، فيفوض العبد كل أموره إلى مولاه، لعلمه بشفقته عليه، ورحمته به، وتمام كفايته، وحسن ولايته وتدبيره ﴿وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ٱللَّهِ﴾.

عباد الله : كان بعض العلماء يقول المقدور يحيط به أمران: التوكل قبله والرضا بعده. فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية. وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم» فهذا توكل وتفويض ثم قال: «فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب» فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة، ثم توسل إليه بأسمائه وصفاته، ثم سؤال له أن يقضي له الخير ويقدره له.

من درجات التوكل: إثبات الأسباب والمسببات. فمن جهل بعض الناس أنهم تركوا الأخذ بالأسباب، وظنوا أن هذا هو التوكل، وأنهم ينتظرون من الله أن يرزقهم، ويطعمهم ويسقيهم، وهم نائمون على فرشهم، دون عمل ولا ضرب في الأرض ، والمتوكل حقا يأخذ بالأسباب ولا يتعلق قلبه بها، إنما القلب متعلق بالله، والأخذ بالأسباب من سنة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام فقد لبس درعين يوم أحد ولم يترك لبس الدروع محتجاً بأنه متوكل على الله.

عباد الله: يدور في مجالسنا، ويطرق أسماعنا، في كثير من وسائل الإعلام، حتمية السيطرة الأبدية للكفار، والمراهنة على ديمومة انتصارهم ، والاعتقاد الجازم بأنهم قوة لا تقهر، وقدرة لا تغلب، حملات إعلامية مركّزة، وظفها الغرب وأذنابهم، بخبث ودهاء، لخدمة أهدافه ومؤامراته، وأشاع من خلالها الرعب في القلوب، والخوف في النفوس، من خلال استعراض الغرب لقدراته العسكرية، وإمكاناته العلمية، وتفوقه التقني، فتراه يعلن أرقامًا مذهلة، عما تحتويه خزائنه من القنابل النووية، ويعرض قوافل كمدِّ البصر من المدرعات الحربية، وأسرابًا من الطائرات المقاتلة، ولأساطيله وبوارجه الضخمة، هادفًا من وراء استعراض هذه الترسانة الهائلة ، إلى ترسيخ القناعات باستحالة مجرد المواجهة، فضلاً عن هزيمته عسكريًّا. حتى ظن بعض الناس بأن مقاليد الأمور، وتدبير العالم، وإهلاك أمةٍ وإحياء أخرى، وإعزاز شعب وإذلال آخر، قد أصبحت بيد الغرب، وظن ضعفاء الإيمان أنه لن يحدث إلا ما يريده الغرب، ولن يحصل إلا ما يشتهيه، ولن يتم أمر في الكون إلا بمشيئته، وهذا تصور خطير يؤول إلى قدح في اعتقاد صاحبه . ينافي التوحيد ، وينسف العقيدة من أصولها، ويقتلعها من جذورها. فاللهم ارزقنا حسن التوكل عليك، والاعتزاز بدينك ................

الذين قال لهم الناس - الخطبة الثانية

 

الحمد لله:

إننا لا نكابر ولا نغالط الحقائق، فنحن ندرك تمامًا ما لدى الغرب؛ من القوى الباهرة، والإمكانات الهائلة، لكننا مع ذلك نؤمن بقوة أعظم من قوته، وببطش أشد من بطشه، وإرادة أنفذ من إرادته.إننا نؤمن بقوة جبار السموات والأرض، الذي يقول ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ قد تكون هزيمة الكفار بإشاعة الخوف في نفوسهم، وإثارة القلق في حياتهم،أو تسليط جند من جنود الله عليهم ، كالرياح والزلازل والأعاصير والبراكين، أو توريطهم في دوامة من الضنك المستمر، والجحيم المستعر، وتأمل إن شئت ما يحصل عندهم الآن من هزات اقتصادية، ومشاكل اجتماعية، ناهيك عن صرعى الأمراض الفتاكة، وضحايا الكحول والمخدرات، وتأمل قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾.

أيها المسلمون: لقد تكفّل الله تعالى بنصر المؤمنين ، وتعهد سبحانه بهزيمة الكافرين ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لكننا نحتاج إلى إقامة التوحيد ونبذ الشرك والبدع ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ و نحتاج إلى نصر دين الله بالقيام بأوامره والبعد عن نواهيه ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ونحتاج إلى الإعداد بما استطعنا من قوة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ عند ذلك انتظروا نصر الله وتأييده ، وحفظه وتسديده.

عباد الله: إذا جاءكم المرجفون، والمخذلون والمتشائمون، والعملاء والسماعون ،فقالوا قوى الشر قد أحاطت بكم، والناس قد اجتمعوا عليكم، وبلادكم محسودة، وبالأذى مقصودة، وأنتم قوم ضعفاء، لا عدة ولاعتاد، فتذكروا قول الله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إذا خوفوكم بأمريكا فقالوا إنها عليكم قد غضبت وحركت ضدكم كل عميل، فقولوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾ وإن أرهبوكم بإيران ومفاعلها والأساطيل، فقولوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وإن أرعبوكم بإسرائيل فقولوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وإن هددوكم بتنظيم القاعدة ، وقالوا سيفعلون بكم الأفاعيل، فقولوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وتذكروا قول الله جل في علاه ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.

عبدالله : ثق بربك وتوكل عليه، فلن يضرك الناس ولو اجتمعوا عليك ، إلا بشيء قد كتبه الله عليك، كن متفائلا فقد كان الفأل يعجب نبيك، تمسك بدينك، والزم جماعة المسلمين وإمامهم فإن يد الله معهم، ومن كانت يد الله معه، فقد حاز النصر وجمعه، وفاز بالخير أجمعه.