الإعراض عن الحق

الإعراض عن الحق - الخطبة الأولى

 

فإن من أشد الآفات وأعظم البليات، أن يبتلي الله العبد بالإعراض عن دينه، والبعد عن تحكيم شريعته. تراه يرى الحق ويعرض عنه، ولو تأملنا آيات القرآن لوجدناها مليئة بالآيات المحذرة من الإعراض عن الله تعالى وعن دينه، وعن الصدود عن سبيله، وعن الاعتراض على شريعته. فهل أصاب قوم سبأ ما أصابهم ،إلا بعد إعراضهم عن الهدى ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ(16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾. وحين اختار كفار مكة سبيل الإعراض عن الدعوة المحمدية، قال الله ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.

عباد الله : عقوبات المعرض عن شرع الله، قد تكون سيلا أو صواعق أو مسخ أو قذف، بل قد تكون طمسا على القلوب فلا تهتدي لحق، ولا ينفعها ذكر قال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾، إنها قلوب بسبب الإعراض مريضة، لا تهتدي بهدي القرآن، ولا تستشفي بشفائه، إذا ذُكر الله وحده اشمأزت، وإذا ذكر الذين من دونه رقصت وطربت.

وحين يختار العبد الشقي سبيل الإعراض عن ربه، فليس أمامه إلا سُبُل مظلمة موحشة، سبل فيها انحراف خُلقي، وفكري وعقدي، يجره إليها الشيطان جرًّا، ويزينها له في قلبه فيحسب العبد المسكين أنه على شيء ﴿إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.

المعرضون عن الله تعالى يجتمع عليهم الشقاء والحسرة والبلاء في دنياهم قبل أُخرهم، فهل شقاء أعظم وأشد، من إعراض الله عن العبد، فيكله إلى نفسه، فَتُزَيِّنُ لَهُ سُوءُ عْمَلِهِ، فَيظُنُّهُ حَسَنًا وَهُوَ سَيِّئٌ، فَيزْدَادُ ضَلالاً وَإِعْرَاضًا؛ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ وَمَعْنَى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾: أي: نَتْرُكُهُ وَشَأْنَهُ لِقِلَّةِ الاكْتِرَاثِ بِهِ.

وأما عذاب الآخرة لأهل الإعراض، فهو الشقاء والنكال، والحسرة والوبال، إنه الوزر العظيم الذي حذّر منه المولى بقوله: ﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ ويا لتعاسة أهل الإعراض من غدهم ومنقلبهم، فقد توعدهم الملك الجبار بالانتقام ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.

عباد الله : قد يتقلب المرء في ظلمات الإعراض وهو لا يشعر، فتراه يعارض نصاً شرعياً ولا يذعن له؛ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

كم من أقوام أعرضوا عن شريعة الله وقد كانوا بها عالمين، فأصبحت أوامر الدين وتشريعاته غريبة عليهم، فجرّهم ذلك إلى الطعن في الدين، والاستهزاء بسنة سيد المرسلين، كم من أُناس أعرضوا عن دين الله وتعلم العقيدة، فقادهم ذلك إلى الإلحاد في أسماء الله وصفاته، والتهكم بعقيدة أهل السنة .

كم من أقوام أعرضوا عن علم الشريعة ونور الوحيين، وخلت قراءاتهم وكتاباتهم منها، وتعلقوا وفتنوا بأقوال فلاسفة هالكين، ومفكرين عقلانيين، فإذا استشهدوا فبهم، وإذا استدلوا فبكلامهم، فقادهم ذلك إلى انحراف في المفاهيم، وخلل في مسلمات الدين!!

عباد الله: إنَّ المُتَتَبِّعُ لأحْوَالِ هَؤُلاءِ المُنَاكِفِينَ لِلشَّرِيعَةِ ليَرى بعين البصر والبصيرة أَنَّ بِدَايَاتِ هَذَا الزَّيْغِ الَّذِي أَصَابَهُمْ كَانَ إِعْرَاضًا عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، تَطَوَّرَ إِلَى اعْتِرَاضٍ عَلَيْهَا، وَمِنْ ثَمَّ اسْتِمَاتَةٍ فِي رَدِّهَا، مَعَ اتِّبَاعِ المُتَشَابِهِ مِنَ النُّصُوصِ، إِلَى أَنْ وَصَلَ بِهِمْ إِعْرَاضُهُمْ إِلَى الزَّيْغِ وَالضَّلالِ، وَالاسْتِهَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى، وَرَفْضِ شَرِيعَتِهِ؛ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

فالله الله عباد الله في تعظيم شرع الله، والاستمساك بأوامر الله، وملء القلوب من هذه المعاني، والحذر كل الحذر من الاعتراض على أحكام الشرع، أو كراهة شيء منها، فتبعة ذلك حبوط الأعمال وشقاء ليس بعده شقاء ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾.

الإعراض عن الحق - الخطبة الثانية

 

الحمد لله

فأهل الإعراض عن الله تعالى أقسام: فقسم جهلوا الحق فأعرضوا عنه بسبب جهلهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وقسم عرفوا الحق، لكنهم مَصْرُوفُونَ عنه إِلَى البَاطِلِ، وَعَنِ الهُدَى إِلَى الضَّلاَلِ، عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى إِعْرَاضِهِمْ ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾.

وقسم ثالث عرفوا الحق، لكنَّ قبولهم وردهم له، بحسب الهوى، فإن وافق الحق أهواءهم قبلوه، وإن خالفه ردوه، قال الله ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقسم رابع يتبعون الحق في الشدة والبلاء، أما في النعمة والرخاء فغافلون معرضون، قال الله عن أهل هذا الصنف: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ وقسم خامس أعرض عن الحق اتباعا لرأي شيخه، أو نصرة لمبادئ حزبه، ولو كان القول مخالفا لدليل من القرآن، أو معارضا لصحيح السنة، أو منافيا لحكم أجمع عليه علماء الأمة، ترى بعض من ينتسب للعلم والدعوة، يبيح الغناء وثان يبيح الاختلاط وثالث يجيز الاعتراض على الله وعلى رسوله وعلى شرعه، ورابع ينكر شيئا من حدود الشريعة، وخامس يطعن في بعض الصحابة كعثمان ومعاوية رضي الله عنهما، وغير ذلك من المخالفات الشرعية، ونجد بعض أتباع هؤلاء لا ينكرون هذا المنكر العظيم، لأن من قاله شيخهم، أو عضو في تنظيمهم، ولو صدر نفس هذا الكلام من غيرهم، لارتعدت فرائصهم، وثارت حميتهم ،وتحركت على الدين غيرتهم، لكنها لما صدرت من شيخهم لزموا السكوت، ولربما قاد الإعراضُ عن شرع الله بعضَهم إلى تحليل ما أحل من الحرام، أو تحريم ما حرم من الحلال ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

الحق عباد الله يؤخذ من كل أحد، والباطل يرد على كل أحد، وضالة المؤمن ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فالطاعة المطلقة لله ولرسوله.

عباد الله : عجبا لأناس نشؤوا في هذا المجتمع، ودرسوا العقيدة، ورضعوا منهج السلف الصالح، وتعلموا أن الدليل مقدم على أقوال الرجال، ثم يعرضون عن ذلك، ويقدمون آراء الرجال على الدليل.