الزهد في الدنيا

الزهد في الدنيا - الخطبة الأولى

 

عباد الله: نتقلب بحمد الله في نعمه، سعة في الأرزاق، وصحة في الأبدان، وأمن في الأوطان، أتتنا الدنيا، وانفتحت علينا الأبواب، فتوسعنا في المآكل والمشارب، والمساكن والمراكب، وتنافسنا في جمع الدرهم والدينار، وخلدنا إلى الدعة والترف، نسينا أن الراحة لا تنال بالراحة، وأن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات،ولا يدرك السيادة من لزم الوسادة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، قال ابن القيم رحمة الله: الخيرات و اللذات ، لا تنال إلا بحظ من المشقة، و لا يعبر إليها إلا على جسر من التعب. فلا فرح لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له. بل إذا تعب العبد قليلاً، استراح طويلاً، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة، نال أبد السعادة.

عباد الله: إن التباهي في الملابس الفاخرة، والسيارات الفارهة، والبيوت المزخرفة، والمبالغة في إقامة الحفلات والولائم، بالتكاليف الباهظة، وإن الإغراق في الملذات، والإكثار من تناول المشتهيات، والتوسع في مطالب الحياة، والمبالغة في البحث عن رقيق الثياب، وفاره الدور، وعالي القصور، إن ذلك كله من الترف المذموم، ولقد ذم الله المترفين، وبين مفاسد الترف في كتابه المبين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ﴾ وأخبر أن الترف سبب هلاك الأمم ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، وأخبر سبحانه أن المترفين يعملون على نشر الفساد في الأرض ويقاومون الصلاح ﴿وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.

قال ابن كثير رحمه الله: أي استمروا على ما هم فيه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك، حتى فجأهم العذاب. وأخبر الله أن الترف من الأسباب التي توجب دخول النار ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ (41) فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ (43) لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِين﴾.

الترف يقضي على الرجولة والشهامة، ويُحِل محلها النعومة والكسل، والميل إلى الراحة والبطالة، وبهذا تَفقد الأمة قوتها، ويتغلب عليها أعداؤها، وتسقط هيبتها.

عبد الله: إن الترف من أخطر الأدواء التي تودي بحياة الأمة،إنه داء عضال، مقت ووبال، يقتل النخوة، يقضي على البطولة، يُخمِد الغيرة، يَغرِز الوهن، يَكبِت المروءة، يُضعف الهمة، يُفرز جيلاً متسكعاً، يعيش بلا عقل، ويقول بلا علم، و يعمل بلا تفكير ، همه ما يأكله، وقيمته ما يخرجه، يذكر اليوم وينسى الغد، أشباح بلا أرواح. والداعي هو الترف. حقوق الله تنتهك، وحدوده تتجاوز، وأوامره تهمل، والداعي هو الترف. يُركن إلى الظلمة، و يحارب الله بالربا، والداعي هو الترف، تُثقَل الكواهل بالديون، والداعي هو الترف، سقطت فئة من شباب الأمة، بأوحال المسكرات والمخدرات، وعلى رأس الأسباب الترف، امتلأت البيوت بالخدم والسائقين، والداعي هو الترف ، سرف شائع، وحق ضائع، والسبب هو الترف.

عباد الله: يدخل عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم على حصير، وقد أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم   فدمعت عين عمر. وقال يا رسول الله: كسرى وقيصر على الحرير يتنعمون، وأنت رسول الله تنام على الحصير ! فيقول صلى الله عليه وسلم: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخرَةُ». كانت بيوته صلى الله عليه وسلم  في غاية التواضع، رغم اشتهار المدينة بالحصون العالية، لكنه صلى الله عليه وسلم جمع همَّه لعمل الآخرة، فكانت أبياته من جريد وطين، يظل اليوم يتلوى من شدة الجوع، ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه. هذا هو الأسوة والقدوة صلى الله عليه وسلم، والسبيلُ سبيله، والسنةُ سنته، لم تكن الدنيا يوماً مقصده وغايته، إنما هي بلغة ووسيلة، يروح إذا راح في المعسرين، يجلس على الأرض، ويوضع طعامه على الأرض، يلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف خلفه، ويلعق يده، يخصف نعله، يَرْقع ثوبه، أعرض عن الدنيا بقلبه، أمات ذكرها من نفسه، لم يتخذ منها رياشا، ولم يعتقدها قرارا، لم ير بها مقاما، فلم يضع لبنة على لبنة، حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه.

الزهد في الدنيا - الخطبة الثانية

هاهو أبو هريرة رضي الله عنه يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مِلئ بطنه، يقول: ولقد رأيتني، وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشياً علي، فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، ووالله مابي من جنون، والله ما هو إلا الجوع.

ويقول رضي الله عنه كما في (خ) لقد رأيت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهة أن ترى عورته. جاعت البطون، وحفيت الأرجل، وعريت الظهور.

وهاهي فاطمة رضي الله عنها ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عند (خ) أنها شكت ما تلقى من أثر الرحى، فقد أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها، وقمت البيت حتى أثرت في هيئتها، علها تعطى من السبي من يخدمها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم و قال لها ولعلي: ألا أعلمكما خيراً مما سألتماني ؟ قلنا بلى يا رسول الله. قال: «إذا أخذتما مضجعكما، فسبحا 33، واحمدا 33، وكبرا 34، فهو خيرٌ لكما من خادم»، فما تركاها بعد رضي الله عنهما.

أما مصعب بن عمير فقد كان أترفَ غلام بمكة، كان يغدو في حلة، ويروح في أخرى، وتقرب إليه صحفة، وترفع له أخرى، الطيب يتلوه الطيب. فقد كان أعطر أهل مكة. حتى إذا ما أسلم لله واستسلم، مُنع ذلك، ولاقى من أمه ما لاقى، ثم هاجر إلى الحبشة، وارتدى المرقع البالي، خرج من النعمة الوارفة،إلى شظف العيش والفاقة، يأكل يوماً ويجوع أياماً. علم أن غمسة في الجنة، تنسي كل بؤس وشقاء، وأن موضع السوط فيها، خير من الدنيا وما فيها، فهان عليه ما يلقى.

وكان صلى الله عليه وسلم مع ذلك لا يخشى عليهم الشدة والفقر، فيقول: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم ؛ فتنافسوها كما تنافسوها ؛ فتهلككم كما أهلكتهم».

فهل قعدت بهم هممهم ؟ هل تنازلوا عن مبادئهم ؟ كلا والله. فقد تهيؤا للسباق، ورُفعت لهم أعلام السعادة، نُصروا بالرعب وجاوزوا الشهب وإذا بهم يقفون على أعتاب مملكة فارس والروم.

عباد الله: إنها النفوس الشريفة، لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، ولو كان في ذلك أذاها، ولمّا أقبلت عليهم الدنيا، جعلوها في أيديهم، وسخروها في مرضاة ربهم، أرَّقتهم حتى إذا ما أخرجوها في مرضاة ربهم، نام الواحد منهم قرير العين، هادئ البال.