مقام الإحسان

مقام الإحسان - الخطبة الأولى

 

فاتقوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن ذلك هو طريق النجاة، واعلموا أن الله سبحانه أمر بالإحسان فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ولَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ولَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، قال ابن عباس : هل جزاء من قال: لا إله إلا الله، وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم  إلا الجنة؟. وقال ابن رجب رحمه الله: الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه المراقبة لله وحضور القلب كأنه يراه وينظر إليه.

عباد الله: الإحسان أنواع، إحسان مع الله، كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم   لما قال له جبريل عليه السلام: أخبرني عن الإحسان، قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ومعناه أن يعبد العبد ربه مستحضرا لقربه منه واطلاعه عليه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب إخلاص العبادة لله وتحسينها وإكمالها. ومن الإحسان؛ الإحسان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعظيم أمره، واتباع شرعه، بأن يكون العمل موافقا لما شرعه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم  خاليا من البدع والمخالفات، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، فبين الله سبحانه سبب حصولهم على هذه الكرامة العظيمة، بما أسلفوه من الإحسان في الدنيا من صلاة الليل والاستغفار بالأسحار والتصدق على المحتاجين

ومن أنواع الإحسان: الإحسان إلى الخلق، ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وبإغاثة الملهوف وإطعام الجائع والتصدق على المحتاج وإعانة العاجز، والتيسير على المعسر والإصلاح بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى هذه الأصناف بإيصال الخير إليهم ودفع الشر عنهم.

من الإحسانِ: العفو عن الحقوق الواجبةِ للإنسان عند غيره، والتنازُل عنها لوجهِ الله جل وعلا؛ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

ومن أنواع الإحسان: الإحسان إلى البهائم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه الحر، فوجد بئرا فنزل فيه فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: «في كل كبد رطبة أجر»، رواه البخاري، ومسلم. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ولْيَحد أحدكم شفرته ولْيُرح ذبيحته».

وكما يكون الإحسان في الأعمال والنيات يكون في الأقوال أيضا، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، أي: قولوا لهم قولا حسنا، بأن تخاطبوهم بالكلام الطيب، الذي يجلب المودة، ويرغب في الخير، ويؤلف القلوب. وهذا يشمل الصدق في الحديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، وقد جاء في الحديث: «والكلمة الطيبة صدقة»، فاتقوا الله – عباد الله – وكونوا من أهل الإحسان لتنالوا من الله الأجر والرضوان.

مقام الإحسان - الخطبة الثانية

 

الحمد لله :

أول المستفيدين من الإحسان هم المحسنون أنفسهم، يجنون ثمراتِه عاجلاً في نفوسهم وأخلاقهم وضمائرهم؛ فيجدون الانشراح والسكينة والطمأنينة.

فإذا طاف بك طائف من هم أو ألمّ بك غم فامنح غيرك معروفًا وأسدِ له جميلاً تجِد السرور والراحة، أعط محرومًا، انصر مظلومًا، أنقذ مكروبًا، أعن منكوبًا، عد مريضًا، أطعم جائعًا؛ تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك.

إن الإحسان كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، شَربة ماء من بغيّ لكلب أثمرت دخول جنة عرضها السموات والأرض.

قال صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» رواه مسلم، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه". فالجزاء من جنس العمل، والإحسان.

عباد الله: إن الموفَّق صاحب قلب حي ويد حانية وإحساس مرهف، يشعر بحاجة أخيه، ويفرح بأن الله يجري الخير على يديه، فأهلُ الإحسانِ همُ الفائِزون بمحبَّة الله جل وعلا، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، أصحابُ الإحسان هم السُّعداءُ بمعيَّة الله ورعايتِه ولُطفِهِ ورحمته، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.

وبلوغ هذه الرتبةُ العليةِ والدرجة المُنيفة لابد فيه من مجاهدة تامة للنفس وصبر لها على طاعةِ الله قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

فالواجب على المسلم أن يُجاهِدَ نفسه على تحقيق الإحسان في عبادةِ الخالقِ جلا وعلا وفي معاملته لخلقِ الله يرجوا بذلك رحمةَ الله وثوابهُ وكريمَ موعوده.