من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم

من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم - الخطبة الأولى

 

فمن منن الله العظيمة، وآلائه الجسيمة، بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم  ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ولقد خصَّ الله تعالى رَسولَه صلى الله عليه وسلم بالمقامَاتِ العالِيَة، والكراماتِ السَامِيَة، وأنالَه من الكمالات البشريّة أعلاها، فقد كان صلى الله عليه وسلم علَى غايةٍ مِن كمال الخِلقة، وجمال الصّورة، وقوّة العقل، وكمالِ الحواسّ، واعتدال الطبع، وشرفِ النسب والحسب، وكذا الكمالُ في الآداب والأخلاق، من الدّين والعلم والحلمِ، والصّبر والشكر والمروءَةِ، والزهد والتواضُع والجودِ، والشجاعة والحياءِ والرّحمة، والوقارِ والمهابة وحُسن العِشرة، ويكفي في ذلك قولُ ربِّه عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أضِف لذلك ما اختصَّه الله تعالى بِهِ مِنَ النبوّة والرسالة والخلَّة والمحبّة والاصطفاء وسائرِ الكرامات والفضائل ، وكلُّ هذا للمنزلةِ العظيمة والمهمَّة الجسيمة التي خلقَه الله تعالى لها، ألا وهي الرسالةُ والبلاغ عن ربِّ العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ومِن هذَا المنطلَقِ جعَل الله تعالى لنبيِّه حقوقًا على هذهِ الأمّة، يجب عليهم القيامُ بها.

عبادَ الله، إنَّ أعظمَ حقوقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الإيمانُ به وتصديقُه، ولا يمكِن أن يكونَ مسلِمًا من لم يقِرَّ بذلك جازمًا غيرَ متردِّد ولا شاكّ، قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ وفي صحيحِ مسلمٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهَدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمِنوا بي وبما جِئتُ به»، وفي الصحيح أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «والّذي نفسي بيه، لا يسمعُ بي رجل من هذه الأمّة ولا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلاّ كان من أهل النار».

ومن حقوق النبيِّ صلى الله عليه وسلم طاعته، والتي هي من خصائِصِه، أي: الطاعة المطلقَةُ ليست لأحد من البشر سوى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا﴾ وقال عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ

ومنه ينبَثِق حقٌّ آخر، وهو كمالُ الاتِّباع، بل هو مقتَضَى شهادة أنّ محمّدًا رسول الله، أي: طاعته فيما أمر، وتصديقُه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزَجَر، وأن لاَ يُعبَد الله إلاَّ بما شَرَع، فما لم يشرَعْه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مبلِّغًا عن ربِّه فلا نتعبَّد الله به، بل هو مردودٌ كما في الصحيحين أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» وقال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وفي حديث العرباضِ بن سارية رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء المهديِّين الراشدين، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة» رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح. قال بعض السلف: "من أمَّر السنّةَ على نفسِه قولا وفِعلا نطق بالحكمةِ، ومن أمَّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة".

عبادَ الله، إنَّ اتباعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقتَضي وجوبَ التزام شرعِه والتزام هَديِه وسنّته والاكتفاء بهديِه وشريعته، وأن لا يُبتَغَى الفلاح إلاّ من طريقه، قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

إنَّ الاتباعَ الحقيقيَّ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا باطِّراح الهوى وتربيةِ النفس على لزوم السنّة واتِّباعها والرجوع إلى الحقّ وإخلاص القصد وصلاح النّية وصدق الإخلاص والتجرُّد لله رب العالمين، وصاحِبُ السنة مهديٌّ موفَّق.

من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم - الخطبة الثانية

 

الحمد لله

ومِن حقوق النبيِّ صلى الله عليه وسلم محبّتُه، ففي البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمنُ أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولدِه والناس أجمعين» ولَقد كان الصحابةُ رضي الله عنهم أشدَّ الناس حبًّا له، فعظَّموه ووقَّروه، وكان مِلءَ أسماعِهم وأبصارهم، وخالَطَ حبُّه شغافَ قلوبهم، فقدَّموه على أنفسهم وأهليهم، وفدَوه بأرواحهم، وقدَّموا صدورهم دِرعًا حاميا عنه صلى الله عليه وسلم ، وهي تطبيقٌ لقول الله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ

أيها المسلمون، ومن حقوق النبيِّ صلى الله عليه وسلم تعظيمُه وتعظيم أمرِه وتوقيره، ومنه عدَمُ التقدُّم بين يديه وعدم رفع الصوت فوقَ صوته، قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تعظِّموه وتفخِّموه وتنصُروه وتطيعُوه وتجِلُّوه، وتذبوا عن عرضه ، وبهذا أخذَ الصحابَة رضي الله عنهم، فقد كانوا يجلّونه غايةَ الإجلال، ولقد كانوا يطرِقون بأبصارهم عنده من الأدب، ولم يكونوا يحدّون إليه النظرَ، حتى قال بعضهم: ما ملأت عيني مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَهابةً له وإجلالاً واحترامًا وحياءً.

ومِن حقوقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حِفظُه في قَرابَتِه وأزواجِه وأهلِ بيته الّذين أكرَمَهم الله تعالى وأذهَبَ عنهم الرجسَ وطهَّرهم تطهيرًا، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أنشدُكم اللهَ في أهلِ بَيتي»، ومن حقوق النبيِّ صلى الله عليه وسلم توقيرُ صحابته رضي الله عنهم ومحبّتُهم والثناءُ عليهم والإمساك عن الخوضِ فيما شجر بينهم، ومِن حقوق النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصلاةُ والسلام عليه، كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا