محمد رسول الله

بسم الله الرحمن الرحيم

محمد رسول الله

إن أعظم منّة من الله تعالى على عباده المؤمنين هدايتهم للدين الحنيف والشريعة الإسلامية التي جعلها الله خاتمة الشرائع والأديان، وكل ذلك انتظم عقده ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم الرسول الأمين وخير خلق الله أجمعين، فهدى الله به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وبصّر به من العمى، وفتح به قلوبًا غلفا وآذانا صما، فحقّ لأهل التوحيد أن يفخروا بهذه النعمة العظيمة ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ .

محمد صلى الله عليه وسلم الذي اختصه الله من بين إخوانه المرسلين بخصائص تفوق العدّ، فله الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ولواء الحمد، وله الشفاعة العظمى وله الكوثر، وهو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول من يفتح له باب الجنة، وهو أول شافع وأول مشفّع، وهو سيّد ولد آدم أجمعين

تالله ما حملت أنثى ولا وضعت *** مثل الرسول نبي الأمة الهادي

محمد صلى الله عليه وسلم: رسول رب العالمين: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وخاتم الأنبياء والمرسلين: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

وفي الحديث: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي». والبشرية مدعوة للإيمان به لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا حرم الله عليه الجنة» .

محمد صلى الله عليه وسلم الذي لعن الله مؤذيه في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ محمّد صلى الله عليه وسلم الذي عصمه الله من الناس وكفاه المستهزئين ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ وبتر شانئه ومبغضه. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ،المتعبد في غار حراء ، صاحب الشريعة الغراء ، والملة السمحاء ، والحنيفية البيضاء ، وصاحب الشفاعة والإسراء ، له المقام المحمود ، واللواء المعقود ، والحوض المورود ، هو المذكور في التوراة والإنجيل ، وصاحب الغرة والتحجيل ، والمؤيد بجبريل ، خاتم الأنبياء ، وصفوة الأولياء ، إمام الصالحين ، وقدوة المفلحين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ .

 تنظم في مدحه الأشعار ، وتنقل في الثناء عليه السير والأخبار ، ثم يبقى كنزاً محفوظاً لا يوفّيه حقه الكلام ، وعلماً شامخاً لا تنصفه الأقلام.

كانت الأمة قبله في سبات عميق ، وفي حضيض من الجهل سحيق ، فبعثه الله على فترة من المرسلين ، وانقطاع من النبيين ، فأقام الله به الميزان ، وأنزل عليه القرآن ، وفرق به الكفر والبهتان ، وحطمت به الأوثان والصلبان ، للأمم رموز يخطئون ويصيبون ، ويسدّدون ويغلطون ، لكن رسولنا صلى الله عليه وسلم معصوم من الزلل ، محفوظ من الخلل ،فيما يبلغ عن مولاه ، سليم من العلل ، عصم قلبه من الزيغ والهوى ، فما ضل أبداً وما غوى ، إنْ هو إلا وحي يوحى .

قصارى ما يطلبه سادات الدنيا قصور مشيدة ، وعساكر ترفع الولاء مؤيدة، وخيول مسومة في ملكهم مقيدة ، وقناطير مقنطرة في خزائنهم مخلدة ، وخدم في راحتهم معبدة.

أما محمّد عليه الصلاة والسلام فغاية مطلوبه ، ونهاية مرغوبه ، أن يعبد الله فلا يشرك به معه أحد ، لأنه أحد صمد ،لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد .

محمد صلى الله عليه وسلم ، يسكن بيتاً من الطين ، وأتباعه يجتاحون قصور كسرى وقيصر فاتحين ، يلبس القميص المرقوع ، ويربط على بطنه حجرين من الجوع ، والمدائن تفتح بدعوته ، والخزائن تقسم لأمته .

زكاه ربه : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وإنك لعلى خلق عظيم ، ما ضلّْ وما زلّْ ، وما ذلّْ وما غلّْ ، وما ملّْ وما كلّْ ، فما ضلّ لأن الله هاديه، وجبريل يكلمه ويناديه ، وما زلّ لأن العصمة ترعاه ، والله أيده وهداه ، وما ذلّ لأن النصر حليفه ، والفوز رديفه ، وما غلّ لأنه صاحب أمانة وديانة، وما ملّ لأنه أعطي الصبر ، وشرح له الصدر.

صلى الله عليه وسلم علم اللسان الذكر ، والقلب الشكر ، والجسد الصبر ، والنفس الطهر ، وعلم القادة الإنصاف ، والرعية العفاف ، وحبب للناس عيش الكفاف ، بعث بالرسالة ، وحكم بالعدالة ، وعلم من الجهالة ، وهدى من الضلالة.

 الخطبة الثانية

 

الحمد لله :

إن للفطر السليمة ، والقلوب المستقيمة ، حب لمنهاجه ، ورغبة عارمة لسلوك فجاجه ، فهو القدوة الإمام ، الذي يهدى به من اتبع رضوانه سبل السلام .

هذا هو النور المبارك يا من أبصر ، هذا هو الحجة القائمة يامن أدبر ، هذا الذي أنذر وأعذر ، وبشر وحذر ، وسهل ويسر ، فصار كل موفق  إلى حياضه يرغب ، ومن مورده يشرب.

أرسله الله على الظلماء كشمس النهار ، وعلى الظمأ كالغيث المدرار ، فهز بسيوفه رؤوس المشركين هزّاً ، عظمت بدعوته المنن ، فإرساله إلينا أعظم منّة ، وأحيا الله برسالته السنن ، فأعظم طريق للنجاة إتباع تلك السنة .

لذلك كان الإيمان به ركنا ركينا من أركان الدين، وكانت محبته عبادة وطاعة لله رب العالمين، مقدّمةً على محبة النفس والأهل والمال والعشيرة، ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» متفق عليه.

ومن أهم وأكثر علامات محبته صلى الله عليه وسلم :متابعته والاقتداء به ،يقول القاضي عياض - رحمه الله تعالى -: اعلم أن من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته ،وإلا لم يكن صادقاً في حبه ،وكان مُدّعياً، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه ،وأولها الإقتداء به ،واستعمال سنته ،واتباع أقواله وأفعاله ،والتأدب بآدابه في عسره ويسره ،ومنشطه ومكرهه ،وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

ولأن معنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر ،واجتناب ما نهى عنه وزجر ،وأن يُعبد الله إلا بما شرع.

 وأخبر سبحانه أن أهل السماء يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا أهل الأرض لذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.