الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الدَّيــن

تلمست الشريعة حاجات الناس ، علم الله أنه لابد للفقير من الغني ، ولا غنى للغني عن الفقير . ولكثرة متطلبات الحياة ، ولا سيما في هذا الزمن ، الذي كثرت مظاهره ، وتعددت مطالبة ، من سكنى ودراسة ، ومعيشة وعلاج ، وغيرها من متطلبات الحياة . فقد أجاز الشارع القرض الحسن ، ورغب في تفريج كرب المحتاجين ، فعند مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» .

وإننا بنظرة إلى مجتمعاتنا نشاهد مع الأسف ، العجب في حال كثير من الناس ، تساهلا في الديون والقروض ، دون ضرورة ولا حاجة ، وإنما هي مظاهر جوفاء ، وغنى زائف ، وتشبع بما لم يعط ، كلابس ثوبي زور، فتجد الفقير يقترض الأموال الكثيرة ، ليركب مراكب الأغنياء ، ويلبس ثياب الأثرياء ، ويسكن مساكن العظماء ، وذمته تشكوا إلى الله عظم البلاء ، إسراف وتبذير ومفاخرة وخيلاء ، طاعة لرغبات النساء ، وأحلام السفهاء . تبهره زينة المراكب والمآكل والمساكن ، فلا يركب من السيارات إلى فاخرها ، ولا يأكل من المآكل إلا غاليها ، يريد أن يسكن بيتا فارها ، ترامت أطرافه ، وازدانت جوانبه ، فيقترض من هذا ، ويستدين من ذاك ، مسايرة للمجتمع ، وإرضاءً للزوجة ، وتظاهرا بالغنى أمام الأقارب.

يريد في البيت هاتفاً ، وفي الجيب جوالاً ، مظاهر جوفاء ، تحمله الديون ، وتثقل كاهله بالأعباء ، فكثر الغارمون ، وامتلأت السجون ، وضاعت كثير من الأسر. هجر بيته من كثرة الدائنين ، وتوارى عن أنظار المطالبين ، غاب عن المناسبات، وترك الاجتماعات ، خوفاً من مطالب بحقه . حتى ألجأته الحال إلى سؤال الناس ، واستحلال الزكاة ، والوقوف بالمساجد، وطرق أبواب التجار ، أرغمته المظاهر بأن يكون متسولا بعد أن كان عزيزا.

لقد استهان بعض المسلمين بالديون ، فاقترضوها لشهوات الفروج و البطون ، واقترضوها ولو من الحرام ، فكان من آثار ذلك أن رأينا محق الله لبركة الأموال، ورأينا النكبات الجائحة في الديار والأموال .

إن من المشاكل التي يعاني منها كثير من الناس ، تلك الديون التي أرهقت القلوب ، وأثقلت الكواهل ، وأشغلت الذمم ، وزرعت بذور الخلاف والشقاق بين الناس ، حتى شغلت بها المحاكم ودور القضاء ، فافترق بسببها الأخلاء والقرناء.

أيها المسلمون: الدين همّ بالليل وذل بالنهار، يمنع الإنسان من الخشوع في عبادته ، والطمأنينة في جسده ، والراحة بين أهله وولده، ولذلك ينبغي على المسلم أن يبتعد عن أسباب الدين ما استطاع . ولقد عظم الشرع المطهر أمر الدين وتعوّذ منه النبي صلى الله عليه وسلم .

عباد الله : إن حديثنا عن الديْن لا يعني حرمته فالاستدانة جائزة ، إذا دعت إليه حاجة ملحة ، وضرورة كبيرة ، إلا أنه يجب على المستدين ، أن يكون دينه حلال المعاملة والشروط، وعليه أن يحسن القصد والنية بالسداد ، والعزيمة الصادقة على الوفاء، ومن نية طيبة في القضاء، لا يبيِّت نية سيئة، ولا يخفي مقصداً خبيثاً، قال صلى الله عليه وسلم : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (خ)

فأحسن النية يا عبد الله ليكون الله لك معينا ، واعزم على رد القليل والكثير، وأدوا يا عباد الله الأمانات إلى أهلها ، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا ، فمن استدان دينا فليرده إلى صاحبه دون جحد أو مماطلة ، فإنها من الغنِيّ ظلمٌ شنيع، والتسويف والتأخير في توفية الحق عند الوجدان اعتداء فظيع، قال صلى الله عليه وسلم : «مطل الغني ظلم» متفق عليه

وليحسن الإنسان إلى من أقرضه فإن رسولنا صلى الله عليه وسلم قال «خير الناس أحسنهم قضاء» فبادروا إلى قضاء الناس حقوقهم قبل فوات الأوان ، والارتهان بالأعمال.

واتقوا الله عباد الله وإياكم والدين ، فإنه من يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله .

 

الخطبة الثانية :

إن من علامات جهل الناس بتنظيم حياتهم ، تلك الديون التي نراها تضرب أطنابها في بيوت الناس ، ومعاملاتهم وشؤون معاشهم، وتنتشر بصورة عظيمة ، وتساهل كبير في الإقدام عليها وعدم سدادها .

وإن دين الآدمي في نظر الإسلام أمانة عظمى، ومسؤولية كبرى، يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى استثنى الله الدين من قاعدة المكفرات، وأصول الماحيات، يقول صلى الله عليه وسلم : «يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدَّين» (م) وفي رواية له «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين» وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل صلى الله عليه وسلم «هل ترك لدينه قضاء» فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح الله عليه الفتوح قال «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعليّ قضاؤه» متفق عليه

عباد الله : إن ثمة توجيهات ربانية ووصايا نبوية في قضايا الدين، تنظر من واقعية لا مثالية، وتنطلق من قاعدة الإحسان والرحمة والشفقة، وتنبثق من أصل اليسر والمرونة والسعة.

وإن من وصايا الشريعة المحمدية ، التيسير على أهل الإعسار والفاقة، والتسهيل لأهل الفقر والحاجة، فمن واجبات الإسلام ، إمهال المعسر عن أداء الدين، والإلزام بإنظار المدين إلى ميسرة، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ والعسرة هي ضيق الحال ، من جهة عدم المال.

التيسير على المعسرين فضله كبير، وأجره عظيم، جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة» ومن أعظم أنواع التيسير الحط من الدين كلا أو جزءاً، قال تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ، جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «كان تاجر يبايع الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه»، وفيهما عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «مات رجل، فقيل له: بم غفر الله لك؟ فقال: كنت أبايع الناس، فأتجاوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر» وعند مسلم من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» وفيه أيضاً في حديث أبي اليسر الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» .

فالتزموا تلكم الوصايا – رعاكم الله –، وانهجوا نهجها تسعدوا وتفوزوا، وتنتظم أحوالكم، ويستقم مجتمعكم .