البصــيرة

بسم الله الرحمن الرحيم

البصــيرة

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة، التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإيمان حتى يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، كلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تظهر أخرى فيقول: هذه هذه، ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم الساعة.

ونحن في عصر أخذت أمواجها تتلاطم ، بألوان من الأحوال العجيبة، موجات فتن تترى، ومصائب تتوالى، وتقلبات وتغيرات ، تلوّث العقائد والأفكار والأخلاق، فتن الشهوات المحرقة، وفتن الشبهات المضلة، وفتن تضارب الآراء، سيما عند تفاوت المشارب.

للفتن ضحايا تصرعهم، وفي ذلك يقول حذيفة بن اليمان: إياكم والفتن، لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن . ويقول ابن هبيرة : احذروا مصارع العقول عند التهاب الشهوات.

ولقد حذر الله الأمة المسلمة إن هي خالفته وعصت نبيها، وبعدت عن شريعتها أن يفتنه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَـالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

 عباد الله : الفتن خطرها عظيم، وشرها مستطير، تهلك الحرث والنسل، وتأتي على الأخضر واليابس، تحيّر العقلاء، وترمّل النساء، وتيتم الأطفال، وتسيل أنهار الدماء، تنزل الويلات والنكبات بالمجتمعات ، نار وقودها الأنفس والأموال. وأعظم الفتن ما كان في الدين، يرى المرء أمامه سبلاً متشعّبة، وفتناً مترادفة، ويجلب على نفسه الوبال، نتيجة فهم قاصر، أو نقل كاذب، أو غرض فاسد، أو هوى متّبع، أو عمى في البصيرة.

يقول الحسن البصري رحمه الله: "الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل" .

أيها المسلمون : لا ينْجي من الفتن إلا تجريد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحكيمه في دقّ الدين وجلّه، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله . العِلمُ المُخلَصُ في تحصيله، المُتقى اللهُ في تطبيقه، نورٌ يضيء الطريق إذا ادلهمت الخطوب، وتشابكت الدروب، وعصفت بالناس الفتن ، المؤمنُ معه من الله بينه، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَـاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَ﴾ .

لا حول ولا قوة للعبد إلا بالله، فهو المثبت والمعين، ولولاه ما رفع المسلم قدماً، ولا وضع أخرى، ولا ثبت على الخير لحظةً واحدة، اللجوء إلى الله بالدعاء من أهم الأسباب، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عظيمَ الشعورِ بالافتقار إلى ربه، كان يكثر في دعائه أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» .

ولقد عاصر قتادةُ رحمه الله، فتنةً من الفتن، ويضع بين يدي الأمةِ نتائجَها فيقول: قد رأينا والله أقواماً يسارعون إلى الفتن وينزعون فيها، وأمسك أقوام عن ذلك هيبة لله ومخافة منه، فلما انكشفت الفتن إذا الذين أمسكوا أطيبَ نفوساً وأثلج صدوراً، وأخف ظهوراً من الذين أسرعوا إليها، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها، وأيم الله، لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذ أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت،لعقل فيها جيل من الناس كثير.

أيها المسلمون: إن النظر الثاقب ، والفكرَ الراشد ، والبصيرةَ الواعية ، واليقظةَ الحية ، كل أولئك مما يبتغي أولو الألباب به الوسيلة إلى نيل المنى، وبلوغ الآمال ، والظفر بالمقاصد ، والحظوة بالسعادة ، في العاجلة والعقبى، فتراهم من أجل ذلك ساعين بكل سبيل ، للتمييز بين الخبيث والطيب، والفصل بين الزبد الذي يذهب جفاء ، وبين ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وإن هذا الفريق اليقظ من عباد الله لينهج هذا النهج الراشد، ويمضي على هذا الطريق المستقيم، مقتفيًا أثر النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، مرتسمًا خطاه، مستمسكًا بهديه المبثوث في الصحيح من سنته ، والثابت من حديثه وسيرته .

فالبصيرة : نور يقذفه الله في القلب ، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل ، كأنه يشاهده رأي عين ، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل ، وتضرره بمخالفتهم . البصيرة  : ما خلصك من الحيرة ، إما بإيمان وإما بعيان .

إن النجاة من الشقاء والضلال  ، إنما هي في   البصيرة ، فمن لا بصيرة له  فهو من أهل الضلال في الدنيا ، والشقاء في الآخرة . والبصيرة نور يجعله الله في عين القلب ، يفرق به العبد بين الحق والباطل،  وهي وهبية وكسبية ، فمن أدار النظر في أعلام الحق وأدلته ، وتجرد لله من هواه  ، استنارت بصيرته ، ورزق فرقانا يفرق به بين الحق والباطل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ .

الخطبة الثانية :

ولقد مدح الله أنبياءه بنظرهم الثاقب للأمور ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه .

 أما ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء ، فهم الذين قاموا بالدين علما وعملا ، ودعوة إلى الله عز وجل ، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض ، التي زكت فقبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، فزكت في نفسها وزكا الناس بها ، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين  البصيرة  في الدين ، والقوة على الدعوة ، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين ، والبصر بالتأويل ، وكان همها حفظ النصوص  وضبطها ، فاستنبطوا منها ، واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها ، ففجروا من النصوص أنهار العلوم ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقد سئل هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه .  وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القران مقدار ما سمع من النبي لم يبلغ نحو العشرين حديثا ، بورك في فهمه واستنباطه ، حتى ملا الدنيا علماً وفقها ، قال أبو محمد بن حزم : وجمعت فتاويه في سبعه أسفار كبار ، وهي بحسب ما بلغ جامعها و إلا فعلم ابن عباس كالبحر ، وفقهه واستنباطه وفهمه في القران بالموضع الذي فاق به الناس ، وقد سمع كما سمعوا ، وحفظ القران كما حفظوا ، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع ، فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريم  ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وقال قتادة ومجاهد في مدح السابقين: أعطوا قوة في العبادة ، وبصراً في الدين ، واعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس .  

وقسم من الناس عكس هؤلاء ، من لا بصيرة له في الدين ، ولا قوة على تنفيذ الحق ، وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتهم قذى العيون ، وحمى الأرواح ، وسقم القلوب .

ومن الناس من له بصيرة في الهدى ومعرفة به ، لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه ، وهذا حال المؤمن الضعيف .

ومنهم من له قوة وعزيمة ، لكنه ضعيف البصيرة  في الدين ، لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن من أولياء الشيطان ، بل يحسب الورم شحما والدواء النافع سما .

عباد الله : من لا بصيرة له  أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل صائح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، تراه يستحسن الشيء وضده ، ويمدح الشيء ويذمه ، يعظم طاعة الرسول ويرى عظيما مخالفته ، ثم هو من أشد الناس مخالفة له ، ونفيا لما أثبته ، ومعاداة للقائمين بسنته

يقال ذلك وأنتم تتابعون ما يدور في مجتمعنا من أحداث مؤسفة ، تأملوا أقوال العلماء الراسخين ، وقارنوها بأقوال الآخرين ، تروا الثبات على المبادئ مع قوم ، والتذبذب والتردد صاحب آخرين .