الوالدان حقوق وعقوق

بسم الله الرحمن الرحيم

الوالدان حقوق وعقوق

21/8/1429هـ(غ)

فإن بر الوالدين وصية الله للعالمين ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ بر الوالدين من صفات الأنبياء، فهذا عيسى عليه السلام قال عن نفسه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ وأثنى الله على يحيا بن زكريا عليهما السلام فقال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ وهذا إسماعيل عليه السلام وما كان من شأنه مع أبيه في قصة الذبح: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ بل انظر إلى شيخ الأنبياء وأبيهم خليل الرحمن في قصته مع أبيه آزر عابد الأوثان، انظر كيف تلطف معه أيما تلطف، وكيف خاطبه بأرق عبارة تفيض برًا وإحسانًا: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا *  يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُد الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ وهذا سيد الأنبياء وخاتمهم صلى الله عليه وسلم كان من خبره ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي»،

أيها المسلمون: قرن الله بر الوالدين بأعظم وأول واجب على المكلف: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، عن معاوية بن جاهمة السلمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحيّة أمك؟» قلت: نعم، قال: «ارجع فبرّها»، قال: ثم أتيته من الجانب الآخر فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحية أمك؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «فارجع إليها فبرها»، ثم أتيته من أمامه فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحية أمك؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «ويحك، الزم رجلَها فثَمَّ الجنة».

واعلم ـ رحمك الله ـ أن بر الوالدين لا ينتهي بموتهما، فعن أبي أسيد الساعدي قال: فيما نحن عند رسول صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلِمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبويّ شيء أبرّهما بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاةُ عليهما والاستغفارُ لهما وانفاذُ عهدهما من بعدهما وصلة الرحِم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما».

وبر الوالدين يستمرّ في ذرية الإنسان وعقبِه من بعده، عن ابن عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعِفّوا تعِف نساؤكم».

عباد الله: مما يؤكد فقه الصحابة لمسألة بر الوالدين ما حدث في قصة كلاب بن أمية المشهورة، فقد أرسل عمر بن الخطاب كلابًا أميرًا على جيش للجهاد في إحدى الغزوات، وعندما علم أبو كلاب برحيل ابنه تأثّر تأثّرًا شديدًا لفراق ابنه كلاب، وقال هذه الأبيات المحزنة:

لِمن شَيْخَانِ قد نَشَدَا كِلابَا *** كتابَ الله لو عَقَلَ الكتـابَ

أُنـادِيهِ فيُـعْرِضُ فِي إبَاءٍ *** فلا ورب أبي كلابٍ ما أصاب

إذا سَجَعَتْ حَمامةُ بَطْن وادٍ *** إلى بيضاتِها أدعـو كِـلاب

تركتَ أباك مُرْعِشَةً يـداه *** وأمّكَ ما تسِيغُ لهـا شَراب

فإنك والتماس الأجر بعدي *** كباغي الماء يلتمس السَراب

فسمع عمر بن الخطاب هذه الأبيات من أبي كلاب، فاستدعى كلابًا على الفور، وعندما حضر كلاب وأبوه لا يعلم بحضوره، فسأله عمر: كيف كان برّك بأبيك؟ فقال: إني أحلب له كل يوم وأسقيه اللبن، فقال له عمر: احلب هذه الشاة، واستدعى عمر أبا كلاب وقدّم له اللبن وهو لا يشعر بوجود ابنه عند عمر، فقال الأب: إني لأشم رائحة يدَي كلاب، فبكى عمر رضي الله عنه وقال لكلاب: جاهد في أبويك. قال ابن عبد البر: "هذا الخبر صحيح".

هكذا الأب ، يجوع لتشبع، ويعرى لتَلْبَس، ويشقى لتسعد، ويتعب لترتاح، إذا مرضت داواك، وإذا بكيت أرضاك، وإذا ضحكت فرح، وإذا نهضت أتبعك النظر، وإذا خرجت أتبعك الدعاء.

عباد الله: لقد فقه الصالحون هذا الأمر فضربوا أروع الأمثلة في بر الوالدين والإحسان إليهما، كان طلق بن حبيب لا يمشي فوق ظهر بيت وأمه تحته إجلالاً لها وتوقيرًا. وكان الفضل بن يحيا يُدِْفئ الماء لأبيه وهما في السّجن، فيضع الدلو عند المصباح ويمسكه طوال الليل، فعرف السجان ذلك فأخذ المصباح في الليلة التي بعدها، فجعل الفضل يضمّ الوعاء إلى جلده وبطنه طوال الليل فإذا طلع الفجر كان الماء فاترًا فأعطاه أباه ليتوضأ به. وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: لما مات أبي عبد الله ما سألت الله حولاً كاملاً إلا العفو عنه. وهذا ابن عون نادته أمه فأجابها فَعَلا صوته صوتَها فأعتق رقبتين يرى أنهما كفارة لما فعل. وبكى إياس بن معاوية حين ماتت أمه بكاء شديدًا، فقيل له في ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأغلق أحدهما، وحُقّ لعين بكاها.

الخطبة الثانية

فإن شأن الوالدين عظيم، ومهما اجتهد الإنسان في برهما فلن يبلغ جزاءهما، فعن زرعة بن إبراهيم أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي أمًا بلغت الكبر ولا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها، وأنا أقوم بتوضئتها وأصرف وجهي عنها، فهل أديت حقها وشكرها؟ فبكى عمر ثم قال: إنها صنعت بك ذلك وهي ترجو بقاءك، وأنت تفعله متمنّيًا فراقها بعد حين.

عباد الله: عقوق الوالدين من أقبح ما يقع من الإنسان، قال مجاهد: ما بر والديه من أحدَّ النظر إليهما. وقال كعب: أجد في كتاب الله أن الابن إذا دعاه أبوه فلم يجبه فقد عقّه، وإذا ألجأه أن يدعو عليه فقد عقه، وإذا ائتمنه فخانه فقد عقه، وإذا سأله ما لا يقدر عليه فقد عقه. وسئل الحسن عن العقوق فقال: أن يحرمهما ويهجرهما ويحدّ النظر إليهما.

أيها المسلمون : إننا في زمن كثرت فيه العقوق، وضيعت فيه الحقوق،كم نقرأ اليوم من أخبار عن شابّ عاق أودع أمّه دار المسنين ولم يزرها ، وعن آخر يضرب أباه، وثالث يفضل زوجه على أمه، ورابع طالت يده حتى قتل أباه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقسم آخر من الأولاد ضرب بالواجب عرض الحائط، فلم يبال بأمر والديه وقد كبرا في السن وضعفت قواهما، لا يزورهما إلا لماماً، وعند الجلوس معهما يشعر بالضيق وكأنه في سجن ينتظر أن يفرج عنه ، إن طلبا منه شيئاً تثاقل، وإن اشتكيا إليه أمراً تمهل، يبحث عن المعاذير التي تحول دون تلبية رغبتهما، يستكثر ما يبذله لهما من وقت أو مال.

فلله كم دمعة ذرفها والد أو والدة على ما يلاقيان من الجحود والاستكبار من أولادهما، كم زفرة حرى انطلقت من أب مكلوم، أو أم رؤوم، يشتكيان الهجر والقطيعة ومن أقرب الناس إليهما، ويا لله كم من أب وأم تمنى أن لم يرزق بأولاد شقي معهم أول عمره، وها هو يشقى بهم في آخره، كم حسرة دفنت مع والد في قبره، وكم غصة ضاق بها جوف أم لم تحتمل ما ترى، كم من والد تمثل مع الشاعر قائلاً:

غذوتك مولـوداً وعلتك يافعـاً  ***  تعل بما أدني إليك وتنهل

إذا ليلة ضـافتك بالسقم لم أبت ***  لسـقمك إلا سـاهـراً أتململ

فلما بلغت السـن والغاية التي *** إليهـا مدى ما فيك كنت أؤمل

جعلت جزائي غلظـة وفظاظة *** كأنـك أنت المنعـم المتفضل